مائدة الطعام ..حين يصبح الخبز جسرًا إلى السعادة وحارسًا للدماغ

أشرف ماهر ضلع
قد تبدو مائدة الطعام مجرد مكان نلتقي حوله لإشباع الجوع، لكنها في الحقيقة قد تكون مساحة صغيرة تُرمّم ما أفسدته العزلة، وتمنح النفس جرعة من الألفة، والعقل فرصة أخرى للحياة.
تشير دراسات حديثة إلى أن تناول الطعام مع الآخرين يرتبط بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة والتواصل الاجتماعي، وقد تكون له آثار إيجابية على الصحة النفسية وصحة الدماغ، خصوصًا مع التقدم في العمر.
المائدة تحارب الوحدة
يرى باحثون أن مشاركة الطعام من أقدم الوسائل التي استخدمها الإنسان لبناء الثقة وتقوية العلاقات. فالحوار الذي يبدأ بجوار طبق الطعام قد ينتهي بصداقة، والوجبة التي تجمع الأسرة قد تفعل ما تعجز عنه عشرات الرسائل الهاتفية.
وفي دراسة شملت آلاف النساء فوق سن الستين، ارتبط عدد الأشخاص الذين يتناولن الطعام معهم بانخفاض خطر ظهور أعراض الاكتئاب، حتى بعد مراعاة عوامل أخرى مثل الحالة الصحية والوضع الاقتصادي والعيش بمفردهن.
وتوصلت دراسات أخرى إلى نتائج في الاتجاه نفسه، إذ وجدت أن بعض كبار السن الذين يعيشون مع أسرهم لكنهم يتناولون طعامهم بمفردهم كانوا أكثر عرضة لأعراض الاكتئاب مقارنة بمن يشاركون الآخرين وجباتهم بانتظام.
لقمة للروح قبل أن تكون للجسد
ولا يبدو أن الأمر اجتماعي فقط؛ فبعض الباحثين يرجحون أن تناول الطعام في صحبة الآخرين قد يحفز آليات عصبية مرتبطة بالشعور بالمتعة والتقارب، ومنها الإندورفين.
بل إن وجود شخص آخر قد يجعل الطعام نفسه أكثر متعة؛ فقد أظهرت تجارب أن بعض المشاركين استمتعوا بمذاق الشوكولاتة بدرجة أكبر عندما تناولوها بصحبة شخص آخر.
وكأن المائدة لا تضيف إلى الطعام نكهة جديدة فحسب، بل تضيف إليه معنى المشاركة.
وحين تجلس المائدة أمام الدماغ
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو العلاقة المحتملة بين تناول الطعام مع الآخرين وصحة الدماغ.
فقد أشارت أبحاث يابانية حديثة إلى وجود ارتباط بين تناول الطعام منفردًا بصورة منتظمة وانخفاض حجم بعض المناطق الدماغية المرتبطة بالوظائف الإدراكية. ويرجح الباحثون أن الأمر قد يرتبط بعوامل متعددة، من بينها جودة النظام الغذائي، ومستوى التواصل الاجتماعي، والتوتر، والتحفيز الذهني المصاحب للحوار.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تناول الطعام منفردًا يسبب الخرف مباشرة؛ فالدراسات تشير إلى ارتباطات تحتاج إلى مزيد من البحث لفهم أسبابها واتجاهاتها.
السعادة قد تجلس إلى جوارك
وفي تقرير السعادة العالمي، ظهرت الوجبات المشتركة بوصفها مؤشرًا مهمًا على الرفاهية؛ إذ ارتبطت زيادة عدد الوجبات التي يتناولها الأشخاص مع الآخرين بارتفاع مستويات الرضا عن الحياة، بصورة تقارب في أهميتها بعض العوامل المعروفة مثل العمل والدخل.
وهنا تبدو المائدة أكثر من قطعة أثاث.
إنها مساحة للحديث، ومتنفس للنفس، وتمرين للعقل، وموعد يومي لإعادة وصل ما تقطعه سرعة الحياة.
لذلك، ربما لا نحتاج دائمًا إلى حلول معقدة لمحاربة الوحدة. أحيانًا يكفي أن نعيد إلى بيوتنا عادة بسيطة كادت تختفي:
أن نضع الطعام على المائدة، ونترك الهواتف جانبًا، ونجلس معًا.
فقد تكون الوجبة التي نشاركها اليوم مع من نحب، استثمارًا صغيرًا في سعادة الغد وصحة العمر.



