
بقلم/الدُّكْتُورِ عِيدِ كَامِلِ حَافِظِ النوقي.
ليست التربية النبوية مجرد تعليم الإنسان كيف يؤدي عباداته، وإنما هي مشروع متكامل لبناء إنسان قادر على ضبط نفسه، وصيانة لسانه، وإدارة غضبه، واحترام كرامة الآخرين، وتحويل طاقته من الصراع الهدّام إلى البناء ،والإصلاح.
ومن أخطر السلوكيات التي تهدم الإنسان والمجتمع السباب، والشتم ،الإهانة؛ لأنها لا تجرح الكلمة فحسب، بل قد تترك جرحًا نفسيًا عميقًا، وتزرع الكراهية، وتحوّل الخلاف الطبيعي إلى خصومة، والخصومة إلى عداء.
ولهذا جاء المنهج النبوي ليعيد صياغة مفهوم القوة: فالقوي ليس من ينتصر بلسانه في معركة الشتائم، وإنما من ينتصر على نفسه حين يغضب.
أولًا: السباب ليس قوة وإنما عجز عن إدارة الانفعال:
قد يظن بعض الناس أن رفع الصوت، وإطلاق الشتائم، وإهانة المخالف دليل على القوة والشخصية، بينما يكشف المنظور النفسي والتربوي أن الإنسان الذي يعجز عن التعبير عن رأيه بالحجة قد يلجأ إلى العدوان اللفظي تعويضًا عن عجزه.
وقد وضع النبي ﷺ قاعدة عظيمة في هذا الباب فقال:
«ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء».
فالإنسان المؤمن لا يجعل لسانه أداة لتحطيم الآخرين، لأن الكلمة عنده مسؤولية، والكرامة الإنسانية ليست مجالًا للعبث.
ثانيًا: القرآن أسّس لأخلاق الحوار قبل أن يعلّمنا الانتصار:
قال الله تعالى:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء: 53].
تأمل التعبير القرآني: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
لم يقل فقط: قولوا الحسنة، وإنما وجّه إلى اختيار الأحسن؛ لأن الكلمة قد تكون صحيحة في معناها، لكنها قاسية في أسلوبها، فيضيع أثرها بسبب طريقة تقديمها.
وهنا تظهر التربية النبوية:
ليس المطلوب أن تتنازل عن الحق، وإنما أن تدافع عن الحق بأخلاق الحق.
ثالثًا: حتى عند الاختلاف لا نسقط كرامة الإنسان:
كان المجتمع النبوي مجتمعًا فيه المسلم، والمنافق، واليهودي، والمشرك، وفيه اختلافات ومواقف وصراعات، ومع ذلك لم يكن السب منهجًا عامًا في التعامل.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
[الأنعام: 108].
وهذه الآية تؤسس لقاعدة حضارية شديدة الأهمية:
لا تجعل دفاعك عن مقدساتك سببًا في فتح أبواب الإساءة إليها.
فالغاية الصحيحة لا تبرر الأسلوب الخاطئ.
رابعًا: النموذج النبوي في مواجهة الإساءة
تعرض النبي ﷺ للأذى والسخرية والاتهام، لكنه لم يجعل الإساءة التي تعرض لها سببًا في التحول إلى شخصية انتقامية.
ومن أعظم المواقف موقفه يوم الطائف، حين اشتد عليه الأذى، فجاءه مَلَك الجبال يستأذنه في إهلاكهم، فلم يختر الانتقام، بل اختار الأمل في المستقبل، وقال ﷺ:
«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»
(رواه البخاري ومسلم).
هذه ليست مجرد استجابة لموقف عابر؛ إنها فلسفة تربوية في صناعة المستقبل.
فالإنسان النبوي لا يسأل فقط:
ماذا فعل بي هذا الإنسان اليوم؟
بل يسأل:
ماذا يمكن أن يصبح غدًا؟
وهنا تتحول التربية من ثقافة الانتقام إلى ثقافة الإصلاح.
خامسًا: القوة الحقيقية هي امتلاك النفس
قال النبي ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
(رواه البخاري ومسلم).
وهذا الحديث يعيد تعريف القوة.
القوة ليست في أن تستطيع إسكات الآخرين بالصراخ، ولا في أن تمتلك الكلمات الجارحة، ولا في أن تنتصر في معركة كلامية.
القوة أن تستطيع وأنت غاضب أن تختار ألا تؤذي.
والقوة أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار الرد الحكيم.
والقوة أن تستطيع الانتقام، ثم تختار العفو عندما يكون العفو إصلاحًا.
سادسًا: السباب يربي أجيالًا على العنف :
الطفل لا يتعلم الأخلاق من المحاضرات فقط، بل يتعلمها من النموذج الذي يراه أمامه.
فإذا رأى الأب يشتم، والأم تهين، والمعلم يسخر، والمجتمع يتبادل الشتائم، ثم طلبنا من الطفل أن يكون محترمًا؛ فإننا نقدم له رسالة متناقضة.
ولهذا فإن مكافحة السباب تبدأ من:
البيت.
المدرسة.
المسجد.
وسائل الإعلام.
وسائل التواصل الاجتماعي.
الخطاب الثقافي والسياسي.
القدوة المجتمعية.
فالطفل الذي يتربى على احترام الإنسان سيكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، وحل النزاعات، وضبط غضبه.
سابعًا: من التربية على السباب إلى التربية على الحوار
نحن لا نحتاج إلى جيل لا يختلف، وإنما نحتاج إلى جيل يعرف كيف يختلف.
فالاختلاف سنة بشرية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إهانة.
لذلك ينبغي أن نعلم أبناءنا خمس قواعد:
١) ناقش الفكرة ولا تهدم صاحبها.
٢) إذا غضبت، أخّر الرد.
٣) لا تجعل الخطأ الذي ارتكبه غيرك مبررًا لخطئك.
٤) اعتذر إذا أخطأت، فالاعتذار قوة وليس ضعفًا:
٥) اجعل هدف الحوار الوصول إلى الحق، لا مجرد الانتصار.
ثامنًا: وسائل التواصل الاجتماعي واختبار الأخلاق:
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ميدانًا واسعًا لاختبار أخلاق الإنسان.
قد يكتب الإنسان تعليقًا جارحًا لأنه خلف شاشة، وقد يسب شخصًا لمجرد اختلافه معه، وقد تتحول المناقشة إلى حملة من الإهانات.
وهنا يجب أن نسأل:
هل غيّرت التكنولوجيا أخلاقنا، أم كشفت ما في داخلنا؟
إن التربية النبوية تقدم لنا معيارًا واضحًا:
قبل أن تكتب اسأل نفسك:
هل أرضى أن ألقى الله بهذه الكلمة؟
فما تكتبه بيدك قد يبقى أثره سنوات، بينما غضبك الذي دفعك إليه قد ينتهي خلال دقائق.
تاسعًا: صناعة الأمل بدل صناعة الكراهية:
النبي ﷺ لم يكن يبني أمة قائمة على الانتقام، وإنما كان يبني أمة تحمل رسالة.
والأمة التي تستهلك طاقتها في الشتائم والكراهية والصراعات الداخلية، تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على البناء.
أما الأمة التي تتعلم الحوار، والتسامح، وضبط الغضب، واحترام الإنسان، فإنها تستثمر طاقتها في:
العلم، والإبداع، والتنمية، والإصلاح، والسلام.
وهذا هو جوهر التربية النبوية:
تحويل الإنسان من مشكلة إلى حل، ومن مصدر صراع إلى مصدر إصلاح.
عاشرًا: الأمل النبوي في صناعة المستقبل:
من أعظم الدروس التربوية في السيرة النبوية أن النبي ﷺ كان يرى المستقبل حتى في أحلك الظروف.
في الهجرة، كان الخطر حاضرًا، لكن الثقة بالله كانت أكبر.
وفي الطائف، كان الألم حاضرًا، لكن الأمل في هداية الأجيال القادمة كان أكبر.
وفي المدينة، كان بناء الإنسان مقدمة لبناء الدولة والمجتمع.
وهكذا يعلمنا المنهج النبوي أن المستقبل لا يصنعه الغاضبون، وإنما يصنعه أصحاب الرؤية والصبر والأمل.
وقفة تربوية:
علينا أن نفرق بين الحزم والسباب.
فالحزم أن تقول:
هذا خطأ، وهذا مرفوض، وهذه حدود لا يجوز تجاوزها.
أما السباب فهو أن تحول رفضك للفعل إلى إهانة لصاحب الفعل.
والمنهج النبوي لا يطلب من الإنسان أن يكون ضعيفًا، وإنما يطلب منه أن يكون قويًا بأخلاقه.
قال الله تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[فصلت: 34].
إنها مدرسة كاملة في تحويل الصراع إلى فرصة للإصلاح.
الخاتمة:
إن السباب في المنهج النبوي ليس مجرد مشكلة في الألفاظ، وإنما مشكلة في بناء الإنسان.
فاللسان مرآة للعقل، والغضب اختبار للنفس، وطريقة تعاملنا مع المخالف تكشف مستوى نضجنا الأخلاقي.
لقد جاء النبي ﷺ ليبني إنسانًا يستطيع أن يكون قويًا دون أن يكون مؤذيًا، وحازمًا دون أن يكون فاحشًا، ومختلفًا دون أن يكون متعصبًا، وغاضبًا دون أن يكون ظالمًا.
ومن هنا فإن صناعة المستقبل تبدأ من صناعة الكلمة.
فإذا أصلحنا كلماتنا، أصلحنا حواراتنا.
وإذا أصلحنا حواراتنا، أصلحنا علاقاتنا.
وإذا أصلحنا علاقاتنا، استطعنا أن نبني مجتمعًا قويًا.
وإذا امتلك المجتمع الأخلاق والعلم والأمل، أصبح قادرًا على صناعة المستقبل.
وهكذا كان محمد ﷺ معلّمًا للإنسان قبل أن يكون قائدًا للأمة؛ يبني النفوس، ويهذب الألسنة، ويزرع الأمل، ويصنع من الإنسان قوةً للخير لا أداةً للصراع.
رسالة المقال:
لا تجعل لسانك يهدم ما عجز عدوك عن هدمه.
كن قويًّا في الحق، رحيمًا في الأسلوب، عظيمًا في أخلاقك؛ فالمستقبل لا يبنيه من يكثرون الشتائم، وإنما يبنيه من يحسنون صناعة الإنسان.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية: 53.
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح ٣)البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، وباب الحلم والعفو.
٤)مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب.
٥)الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، حديث رقم 1977، وقال: «حديث حسن غريب».
٦)ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة لقمان.
٧)الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة لقمان.
٨)السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير سورة لقمان.
٩)ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر.
١٠)ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة.
النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.
١١)المباركفوري، محمد عبد الرحمن، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، دار الكتب العلمية.



