من يفخخ الشرق؟ حين يصبح الإرهاب وقودا لحروب الكبار
مرة أخرى، يفتح الإرهاب فمه في الشرق، ومرة أخرى يدفع الأبرياء الثمن

بقلم: أشرف ماهر ضلع
في باكستان، لم يكن المكان ساحة حرب، بل مسجدا، ولم يكن المشهد جنودا في مواجهة عسكرية، بل مصلين احتموا ببيت من بيوت الله. سيارة محملة بالمتفجرات، انفجار، إطلاق نار، ثم أجساد تحت الركام ودماء تلطخ مكانا يفترض أن يكون عنوانا للسكينة.
17 قتيلا وأكثر من 70 مصابا… رقم جديد في دفتر الدم المفتوح.
لكن خلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان أسرة، وخلف كل أسرة وطن موجوع.
وهنا لا يكفي أن نسأل: من نفذ الجريمة؟
السؤال الأكثر إزعاجا هو:
من الذي يجعل الإرهاب قادرا على العودة كل مرة بثوب جديد؟ ومن الذي يستفيد من بقاء الشرق مشتعلا؟
لسنا أمام حادث منفصل عن عالم تتشابك فيه الحروب والصراعات والنفوذ والمصالح. فالمنطقة تعيش منذ سنوات فوق أرض رخوة، وكلما اشتعل صراع كبير، ظهرت على أطرافه جماعات مسلحة وشبكات متطرفة تستثمر الفوضى وتعيد تدوير الدم.
وفي ظل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تزداد المخاوف من أن تتحول المنطقة إلى رقعة شطرنج واسعة، تكون شعوبها هي البيادق، بينما يحرك اللاعبون الكبار القطع من خلف الستار.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
لا دليل يتيح لنا اتهام دولة أو جهاز بعينه بالوقوف خلف هذا الهجوم ما لم تثبت التحقيقات ذلك.
لكن عدم امتلاك الدليل لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
من يمول الجماعات المتطرفة؟
من يوفر لها السلاح والمال؟
من يستفيد من انهيار الدول؟
ومن يربح سياسيا واستراتيجيا عندما يتحول العالم الإسلامي إلى ساحات صراع مفتوحة؟
لقد بدأ الإرهاب في بيئات مضطربة، ثم وجد مناخا مثاليا للتمدد: حروب، فقر، صراعات طائفية، حدود رخوة، سلاح منتشر، وتدخلات دولية وإقليمية لا تنتهي.
وهكذا يصبح المواطن العربي والمسلم أمام معادلة قاسية:
إن نجا من الحرب، طاردته الفوضى، وإن نجا من الفوضى، وجد الإرهاب على باب مدينته.
المأساة أن بعض القوى قد تنظر إلى الشرق باعتباره مساحة نفوذ وممرات استراتيجية ومصالح سياسية، بينما يراه أهله بيتا يريدون فقط أن يعيشوا فيه بأمان.
ومن هنا يجب أن يكون الموقف واضحا:
لا يجوز تحويل الإسلام إلى متهم بسبب جرائم الإرهابيين، ولا تحويل شعوب المنطقة إلى وقود لحروب لا تختارها، ولا استخدام الإرهاب ذريعة لإشعال حروب جديدة.
الإرهاب لا دين له، والحرب لا ترحم أحدا، والدم حين يسيل لا يسأل عن جنسية صاحبه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن أن تتحول الحرب الأمريكية الإيرانية، أو أي صراع إقليمي آخر، إلى مظلة تتسع تحتها التنظيمات المتطرفة، فتجد في الفوضى فرصة للتمدد، ويجد الكبار في الفوضى مبررات جديدة للتدخل.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل نحن أمام حرب على الإرهاب، أم أن الإرهاب نفسه أصبح جزءا من حروب النفوذ؟
قد تجيب التحقيقات عن بعض الأسئلة، وقد تكشف الأيام ما تخفيه الكواليس.
لكن المؤكد أن الشرق دفع ثمنا باهظا من الدم، وأن الشعوب الإسلامية ليست بحاجة إلى حرب جديدة، ولا إلى صراع جديد، ولا إلى مقبرة جديدة.
هي بحاجة إلى دولة تحمي، ومؤسسة تحاسب، وقانون يردع، وعقل سياسي يعرف أن المنطقة لا تحتمل مزيدا من النار.
فمن يفخخ الشرق لا يفخخ مسجدا فقط…
إنه يفخخ مستقبل أجيال كاملة.
وحين يصبح الدم لغة السياسة، لا يعود السؤال: ن انتصر؟
بل يصبح السؤال:
كم إنسانا آخر سيدفع ثمن انتصار الكبار؟


