أدبدينمقالات

المقال الثامن والعشرون من سلسلة ” ” ممالك اسلامية لها تاريخ مجيد ..عظماء كتبوا التاريخ في الظل “

بعنوان : " سلطنة ملقا في ماليزيا: بوابة الإسلام البحرية في جنوب شرق آسيا".

بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

 

حين نُقَلِّب صفحات التاريخ الإسلامي، لا نقف فقط عند العواصم الكبرى، بل نجد في أطراف العالم الإسلامي نماذج حضارية أبهرت الدنيا تأثيرًا وانتشارًا. ومن بين هذه النماذج المضيئة تبرز سلطنة ملقا، التي تحولت من مستوطنة صغيرة إلى مركز عالمي للتجارة والدعوة، حتى أصبحت بحق بوابة الإسلام البحرية إلى جنوب شرق آسيا.

 أولًا: النشأة ،والموقع الجغرافي:

نشأت سلطنة ملقا في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، حوالي سنة 1400م، على يد الأمير السومطري باراميسوارا (إسكندر شاه)، الذي فرّ من موطنه في سومطرة بعد صراع مع مملكة ماجاباهيت، واستقر على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو، حيث أسس نواة الدولة.

وقد كان موقع ملقا استثنائيًا؛ إذ تقع على مضيق ملقا، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، مما جعلها نقطة التقاء بين تجار العالم الإسلامي ،والهند والصين (محمد يوسف هاشم:1992م، ص 15 ).

 ثانيًا: القادة والسلاطين وأدوارهم:

1️⃣ إسكندر شاه (المؤسس):

وضع الأساس السياسي والاقتصادي للدولة.

مهّد لتحول ملقا إلى مركز تجاري مهم.

(بويونج بن عادل: ص 12، 1974م)

2️⃣ السلطان محمد شاه:

أعلن الإسلام دينًا رسميًا للدولة.

بدأ تطبيق الشريعة وتنظيم القضاء الإسلامي.

(محمد يوسف هاشم: ص 28، 1992م).

3️⃣ السلطان مظفر شاه:

عزز الاستقرار السياسي والعسكري.

واجه تهديدات سيامية ونجح في تثبيت الدولة،(بويونج بن عادل:1974م، ص 35)

4️⃣ السلطان منصور شاه (العصر الذهبي):

بلغت ملقا في عهده أوج قوتها.

دعم العلماء والدعاة، وأرسل البعثات الدعوية.

(محمد يوسف هاشم:1972م، ص 60)

5️⃣ السلطان محمود شاه:

آخر سلاطين ملقا.

قاد المقاومة ضد البرتغاليين حتى سقوط الدولة.

(محمد يوسف هاسم :1972م، ص 110)

 ثالثًا: مقومات قوة السلطنة:

 1) الموقع الاستراتيجي:

تحكمت في أحد أهم طرق التجارة العالمية، مما جعلها مركزًا دوليًا للتبادل التجاري ( محمد يوسف هاشم:1972م،ص18).

 2)النظام الإداري المتطور:

اعتمدت على نظام وزاري منظم، أبرز مناصبه “البنداهارا” (الوزير الأول)، مما ضمن كفاءة الإدارة ( بويونج بن عادل:1974م، ص42).

 3)الانفتاح التجاري:

استقبلت تجارًا من العرب، والفرس، والهنود، والصينيين، مما خلق بيئة متعددة الثقافات (محمد يوسف هاشم:1972م،ص50).

) 4 الاستقرار السياسي:

ساعد على جذب التجار والعلماء، وتحقيق الازدهار الاقتصادي.

 رابعًا: دورها في خدمة الإسلام:

تحولت ملقا إلى مركز إشعاع إسلامي في جنوب شرق آسيا.

انتشر الإسلام عبرها إلى إندونيسيا والفلبين.

دعمت العلماء والفقهاء، وأسست بيئة علمية نشطة.

نشرت اللغة الملايوية بالحرف العربي (الجاوي).

وقد أصبحت ملقا نموذجًا للدولة التي تجمع بين التجارة والدعوة (محمد يوسف هاشم، 1992م,ص120).

 خامسًا: الآثار والثمار الحضارية:

نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا على نطاق واسع.

تشكيل الهوية الإسلامية للمجتمعات الملايوية.

تطوير نظم الحكم الإسلامي في المنطقة.

ازدهار الثقافة والأدب الملايوي الإسلامي.

(بويونج بن عادل:1974م، ص 90)

 سادسًا: سقوط السلطنة، وأسبابه:

سقطت سلطنة ملقا سنة 1511م على يد البرتغاليين بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك.

 الأسباب:

الطمع الأوروبي في السيطرة على طرق التجارة (محمد يوسف هاشم:1992م،ص115).

التفوق العسكري الأوروبي، خاصة في المدافع.

ضعف الاستعداد العسكري الداخلي.

بعض الاضطرابات السياسية في أواخر العهد.

 الخاتمة

إن سلطنة ملقا ليست مجرد محطة عابرة في التاريخ، بل هي تجربة حضارية متكاملة أثبتت أن الإسلام حين يقترن بالحكمة والتجارة والعدل، يتحول إلى قوة ناعمة تغيّر وجه العالم. لقد كانت ملقا جسرًا حضاريًا بين الشرق والغرب، ومركزًا لنشر الإسلام بالخلق والتعامل قبل السيف.

وإذا كان سقوطها قد أنهى وجودها السياسي، فإن أثرها لم يندثر؛ بل بقي حيًا في شعوب جنوب شرق آسيا، التي ما زالت تحمل بصمات تلك الدولة المباركة في دينها وثقافتها وهويتها.

إن قراءة تاريخ ملقا اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لإعادة اكتشاف سنن النهضة، وفهم كيف يمكن للأمة أن تنهض من الأطراف لتؤثر في العالم كله.

 المراجع:

١)بويونج بن عادل، تاريخ ملقا في عصر السلطنة الملايوية، كوالالمبور: دار ديوان بهاسا، 1974م.

٢)محمد يوسف هاشم، سلطنة ملقا الملايوية، كوالالمبور: دار ديوان بهاسا، 1992م.

٣)أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1986م.

٤)راغب السرجاني، قصة الحضارة الإسلامية، القاهرة: مؤسسة اقرأ، 2010م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى