مقالات

دعوة الى اعادة دراسة تماثيل خبيئة الكرنك و مسح راداري لموقع العثور عليها

بقلم الدكتور منصور بريك

تعتبر خبيئة الكرنك من أعظم اكتشافات القرن العشرين، حيث اكتشفها الفرنسي جورج ليجران عام 1903م وتقع في الفناء ما بين الصرح السابع والثامن بمعابد الكرنك، واستمر يعمل في استخراج ما بها من تماثيل ولوحات وقطع أثرية مختلفة حتى عام 1907م.
وتم الكشف فيها عن أكثر من 800 تمثال من الحجر لملوك مصر القديمة بداية من عصر الدولة الوسطى وحتى العصور المتأخرة، وتماثيل لأفراد وآلهة مختلفة، وأكثر من 17000 تمثال وتميمة وقطع أثرية أخرى من البرونز والفيانس والخشب تم دفنها بعناية في حفرة كبيرة وصل عمقها عند الحفر والتنقيب حتى ١٦ مترًا. لم يستطع ليجران استكمال الحفر لأكثر من هذا العمق بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية بصورة كبيرة لم تجدِ معها محاولات تخفيضها لاستكمال الحفر.
وقد دُفنت التماثيل بعناية في العصر البطلمي، ربما في عصر الملك بطليموس الخامس، بعدما اكتظت أفنية وصالات معابد الكرنك بالتماثيل واللوحات النذرية والتي أعاقت عمليات السير والتعبد داخلها، فقام كهنة المعبد بدفن تلك التماثيل والقطع كنوع من التبجيل وللحفاظ عليها، وما يهمني
في هذه الخبيئة، والتي في حاجة إلى إعادة دراسة علمية، هي:
ما قمنا بالكشف عنه أثناء أعمال التنقيب الأثري في طريق الكباش، حيث اكتشفنا لوحة من حجر الكوارتز تؤرخ للعام الرابع من حكم الملك “ست نخت 1186 قبل الميلاد”، وهو أعلى تاريخ لحكم هذا الملك يتم الكشف عنه، حيث أن أغلب المصادر تذكر أنه حكم لمدة عامين فقط. وقد نُقشت اللوحة بمعرفة أشهر الكهنة في عصر هذا الملك وهو (باك إن خونسو)، واللوحة عليها 17 سطرًا من الكتابة الهيروغليفية .


وتذكر أنه في العام الرابع من عصر الملك ست نخت قامت ثورة كبيرة من الشعب واستطاع العامة اقتحام معابد الكرنك، والتي كانت تعتبر من أهم الأماكن المقدسة في المملكة في ذلك الوقت. وقاموا بتحطيم ما قابلهم من تماثيل ولوحات للملوك وكبار رجال الدولة السابقين على حكم ست نخت، ووصلوا حتى الصالة العظيمة كما ذكر هذا الكاهن على اللوحة.
ويذكر أن الملك استطاع قمع هذه الثورة وقام بمعاقبة ومحاكمة من قام بهذه الحادثة التي اعتبرت جريمة كبيرة. و بعد إخماد الثورة قام بمعاينة آثار هذا الاقتحام، ويذكر حرفيًا: “إنه وجد تماثيل السابقين الممدوحين” (ويعني هنا الملوك وكبار رجال الدولة).والكهنة السابقين على حكم ست نخت (ساقطة وواقعة على الأرض ومنهم ما هو واقع على جانبه والآخر على وجهه وبعضهم على ظهره) وأنه قام بإعادة نصب ما تم إيقاعه وترميم ما تم كسره وتقديم القرابين لها،
وهنا ترتبط هذه الحادثة بما تم الكشف عنه من تماثيل ملكية ولكهنة وتماثيل لكبار رجال الدولة داخل خبيئة الكرنك والتي تنتشر في العديد من المتاحف وأكثرها معروض في متحف اللوفر والمتحف المصري حيث يلاحظ على هذه التماثيل أنها غير سليمة خاصة ملوك الدولة الوسطى والدولة الحديثة خاصة ملوك الأسرة ١٨ حتى عصر الأسرة ١٩، وأشهرها بالطبع تماثيل تحتمس الثالث وأشهرها التمثال المشكل من حجر الشيست والمعروض في متحف الأقصر والمفقود منه رجليه إلى جانب تماثيل أمنحوتب الأول والثاني والثالث والتي يلاحظ عليها أنها مكسورة من جهة اليمين والتي يدل أنها كانت ساقطة على جانبها الأيمن وأخرى مكسورة من الجهة اليسرى وأخرى مفقود منها الأنف أو الوجه مشوه بسبب سقوطها على وجهها أو مفقود منها الرأس بسبب سقوطها ودفعها لتسقط على ظهرها. 


توضح صور تماثيل خبيئة الكرنك مدى ما أصابها من تهشم وفقد لبعض أجزائها بسبب هذه الحادثة الغريبة التي لا توجد حادثة مماثلة تم ذكرها في التاريخ المصري القديم. كما توجد بعض التماثيل التي يظهر عليها عمليات ترميم ربما كانت من عصر ست نخت كما ذُكر على تلك اللوحة.
الواقع أن تماثيل خبيئة معابد الكرنك، خاصة تلك التي تعود إلى ما قبل عصر ست نخت، في حاجة إلى إعادة دراسة وتصنيفها طبقًا لطريقة تحطمها أو فقد أجزاء منها. ويمكن بسهولة معرفة ما كان ساقطًا على وجهه أو على ظهره أو على جانبه، وأعتقد أن تلك الدراسة ستكمل الحادثة الشهيرة لاقتحام معابد الكرنك التي حدثت في العام الرابع من حكم ست نخت. وأعتقد بالتعاون مع المعهد الفرنسي بالقاهرة، والذي دشن موقعًا يضم كل مكتشفات خبيئة الكرنك.


أعتقد أن المجلس الأعلى للآثار من الممكن أن يقوم بمسح راداري GPR للفناء الذي تم الكشف فيه عن خبيئة الكرنك، حيث ربما لا تزال هناك تماثيل وقطع أخرى لم يستطع جورج ليجران الوصول إليها بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية عند الكشف عن الخبيئة وعدم توافر جهاز الاختراق الأرضي GPR في وقت الكشف عنها، خاصة وأننا قمنا بالإشراف على تنفيذ مشروع ضخم لتخفيض المياه الجوفية أسفل معابد الكرنك بالاشتراك مابين المجلس الأعلى للاثار و هيئة المعونة الأمريكية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى