تقارير

سيد جلال الذي خلد اسمه على مستشفى باب الشعرية

نهاد عادل
ولد الحاج سيد جلال عام 1901 بقرية بني عديات بمحافظة أسيوط، وعاش طفولة قاسية بعد أن فقد والدته وهو رضيع، ثم توفي والده وهو في الخامسة من عمره، ليتولى خاله رعايته. حفظ القرآن الكريم في السابعة من عمره بكتاب القرية، لكنه رفض أن يكون عبئًا على أسرته، فقرر في سن مبكرة أن يشق طريقه بنفسه متجهًا إلى القاهرة بحثًا عن الرزق.
بدأ سيد جلال رحلة الكفاح من أحياء القاهرة الشعبية، حيث عمل في توزيع الخبز بأحد الأفران، ثم شيالًا في محطة مصر، وبعدها على عربة كارو لنقل البضائع، ولم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره.
انتقل بعد ذلك إلى بورسعيد، حيث عمل ساعيًا في مكتب للنقل البحري يمتلكه رجل أعمال يوناني. وبفضل اجتهاده وقدرته على التعلم، أتقن اللغات اليونانية والفرنسية والإيطالية قراءة وكتابة ومحادثة، كما اكتسب خبرات واسعة في مجالات التصدير والاستيراد. وبعد الحرب العالمية الأولى أضاف إلى معارفه اللغتين الرومانية والأرمينية، ليصبح واحدًا من أبرز الكفاءات الشابة في مجال التجارة والنقل البحري.
ومع تراكم الخبرات، استأذن صاحب المكتب في العمل لحسابه الخاص في تجارة الغلال، فوافق على تزويده بشحنات الدقيق والقمح. ومن هنا بدأت رحلة النجاح الحقيقية، إذ توسعت تجارته تدريجيًا حتى أصبح من كبار تجار الغلال في سوق روض الفرج، وامتلك أكبر شونة للغلال بمنطقة الساحل، وتعامل مع كبار التجار والشركات في القاهرة والإسكندرية والصعيد.
وعُرف سيد جلال بسياسة تجارية تقوم على تحقيق أرباح معتدلة دون إثقال كاهل المواطنين، مؤمنًا بأن النجاح الحقيقي يرتبط بخدمة المجتمع لا باستنزافه. وقد تأثر في مسيرته الاقتصادية بعدد من رموز الاقتصاد الوطني، وعلى رأسهم أحمد عبود باشا، الذي كان يوصي بالعمل الجاد والصبر والادخار والابتعاد عن الربح السريع.
ورغم تحوله إلى واحد من كبار رجال الأعمال في مصر، ظل وفيًا للأحياء الشعبية التي نشأ فيها، محتفظًا بتواضعه وقربه من البسطاء. وانطلاقًا من إيمانه بالمسؤولية الاجتماعية، خصص جزءًا كبيرًا من ثروته للأعمال الخيرية، وكان أبرز إنجازاته إنشاء مستشفى خيري لعلاج الفقراء في حي باب الشعرية، الذي حمل اسمه «مستشفى سيد جلال»، وأصبح لاحقًا تابعًا لجامعة الأزهر.
وعلى الصعيد السياسي، انتُخب نائبًا عن دائرة باب الشعرية وظل ممثلًا لها لعقود طويلة، حيث عُرف بدفاعه عن مصالح المواطنين وسعيه لإقرار تشريعات مهمة، من بينها قانون «من أين لك هذا؟»، وقانون منع تملك الأجانب للأراضي الزراعية وأراضي البناء، إلى جانب المطالبة بمحاكمة الوزراء ومكافحة الفساد.
كما لعب دورًا اقتصاديًا وطنيًا بارزًا من خلال شراء الشركات المتعثرة التي كان يمتلكها أجانب وإعادة تشغيلها حفاظًا على حقوق العمال، فضلاً عن مواجهة الاحتكار عبر توسيع الإنتاج وزيادة المعروض من السلع الأساسية.
وسافر سيد جلال إلى ألمانيا والولايات المتحدة للتعاقد على أحدث المعدات الصناعية، وكان من أوائل رجال الأعمال الذين خصصوا نسبة من الأرباح للعاملين قبل أن تصبح هذه الممارسة ملزمة بقوانين العمل. وعندما تعرض أحد مصانعه في شبرا الخيمة لحريق هائل، أعلن إعادة بنائه على نفقته الخاصة حفاظًا على وظائف العمال، وهو الموقف الذي دفع الصحفي مصطفى أمين إلى نشر مقال شهير بعنوان: «أعمال سيد جلال لا تحرقها النار».
وامتدت مساهماته الوطنية إلى دعم المجهود الحربي بعد حرب يونيو 1967، كما تبنى مشروعات لاستصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج الزراعي، وحرص على توفير المنتجات الغذائية بأسعار مناسبة للمواطنين، فضلًا عن طرح فكرة اجتماعية رائدة تقوم على بيع السلع الأساسية للفقراء بأسعار مخفضة تتحمل الدولة جزءًا منها، بينما يغطي الأغنياء فارق السعر من خلال التبرعات.
رحل سيد جلال بعد رحلة استثنائية جسدت نموذجًا مصريًا فريدًا لرجل الأعمال الوطني الذي بدأ حياته يتيمًا معدمًا، وانتهى به المطاف رمزًا للعطاء والعمل الخيري والتنمية الاقتصادية، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة المصريين من خلال إنجازاته ومؤسساته التي لا تزال تخدم المجتمع حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى