مقالات

خمس دقائق إلى الجحيم.. من يعيد الطمأنينة إلى قلوب سياح الغردقة؟

كتب: أشرف سركيس
لم يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق… لكنها كانت كافية لتحويل رحلة بحرية حلم بها سائحون وعائلاتهم إلى لحظات تشبه يوم القيامة.
خمس دقائق فقط، رأى خلالها رجال ونساء وأطفال ألسنة اللهب تلتهم اللنش أمام أعينهم، والدخان الكثيف يحاصرهم، بينما تتزاحم في عقولهم أسئلة مرعبة: هل ستكون هذه نهاية الرحلة… أم نهاية الحياة؟
لن أتحدث اليوم عن إجراءات السلامة، فقد كتبت عنها عشرات المرات، وكنت من أوائل من قدموا دراسة متكاملة لإحلال وتجديد اليخوت واللنشات السياحية القديمة، بما يتوافق مع أحدث معايير السلامة والتشغيل. لكن ما يشغلني الآن هو الجانب الإنساني الذي قد يغيب عن كثيرين.
ماذا عاش هؤلاء السائحون في تلك الدقائق؟ ماذا شعر الأطفال وهم يرون النيران تقترب منهم؟ وكيف ستبقى هذه المشاهد محفورة في ذاكرتهم طوال حياتهم؟ فمثل هذه الصدمات لا تنتهي بانتهاء الحريق، بل قد تظل ترافق أصحابها لسنوات طويلة.
وهنا يبرز سؤال مهم لكل الجهات المعنية: هل فكر أحد في هؤلاء الضيوف بعد إنقاذهم؟
هل زارهم مسؤول من وزارة السياحة أو الغرف السياحية ليطمئن عليهم؟ هل استمع أحد إلى مخاوفهم وشرح لهم حقيقة ما حدث؟ هل تم عرض الأمر على السيد محافظ البحر الأحمر لاستقبالهم وتقديم رسالة إنسانية تؤكد أن مصر تقف إلى جانب ضيوفها في أوقات الشدة؟
وهل فكر أحد فيما سيعود به هؤلاء السائحون إلى بلادهم؟ ماذا سيكتبون على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي؟ ماذا سيحكون لأسرهم وأصدقائهم؟ وهل ستكون رسالتهم عن حادث مأساوي فقط… أم عن شعب احتواهم، ومسؤولين اهتموا بهم، وبلد لم يتركهم وحدهم؟
إن إدارة الأزمات السياحية لا تنتهي بإخماد الحريق، بل تبدأ بعده. فالطريقة التي نتعامل بها مع الضيف في أوقات المحنة قد تكون أكثر تأثيرًا من الحادث نفسه.
لذلك، أرى أن من أرقى صور الاحتواء أن تتم دعوتهم إلى رحلة بحرية مجانية على أحد أحدث وأفخم اليخوت في الغردقة، برعاية رجال الأعمال أو القطاع السياحي، مع تكريمهم وتقديم اعتذار راقٍ يليق بصورة مصر السياحية. فهذه المبادرة لن تمحو ما عاشوه، لكنها ستترك في نفوسهم ذكرى مختلفة، وتؤكد أن مصر لا تكتفي بإنقاذ ضيوفها، بل تحرص على جبر خواطرهم أيضًا.
إن السياحة ليست فنادق وشواطئ فقط… بل إنسانية، واحتواء، ورسالة حضارية. وفي الأزمات تحديدًا، تُبنى السمعة أو تُهدم.
فلنجعل من هذه الأزمة فرصة لنثبت للعالم أن مصر لا تستقبل السائح كزائر فحسب، بل كضيف عزيز، وأنها تعرف كيف تحميه، وكيف تحتويه، وكيف تترك في قلبه ذكرى أجمل من أي حادث عابر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى