Uncategorized

اللي يتّلَسع من الشوربه

بقلم: محمد أبو زيد التجاني

التجربة الحياتية لكل إنسان، مهما اختلفت في مضمونها أو شكلها، تخصّ صاحبها، وتعني له رسالة خاصة، وتمنحه خبرات في مسيرته القادمة. وربما تتكرر مواقف بعينها، فيرى موقفه منها، والتباين في ردّ فعله إزاءها، فيُدرك حينها التغيير الطارئ عليه بفعل ما مضى، وكأنه إنسان آخر.

إذًا، نحن ندين للتجربة وبشدة، لكن هل تُغيّرنا التجربة للأسوأ أم للأفضل؟ هل بالفعل يضطر أحدهم إلى اختيار الأسوأ رغمًا عنه؟ وهل كل إنسان تغيّره التجربة ذاتها، أم أنه يخشى منها، فيظل حبيس دائرة الأمان ؟ أعتقد أن التجربة، مهما اختلفت، لا تحدد نتيجتها بذاتها، ولا تفرض شكل التغيّرات فيك، بل أنت من تحدد! فكلٌّ منا، بعد تجربة ما، يتعامل مع أفكار جديدة تمخّض عنها عقله، فتنتج عنها تلك التغيّرات.

على سبيل المثال: رجلٌ فقد عمله بسبب فخّ نصبه له زملاؤه، وهو مظلوم حتمًا، ورغم ذلك لم تظهر الحقيقة. ثم حدثت له مشكلات أخرى في عمل آخر، كعدم تقدير جهوده مثلًا، فاستقرّ في وجدانه وعقله، وفقًا لتجربته العملية، أن أولئك الكسالى هم الفائزون، وأن المنافقين هم المُصدَّقون، فقرر أن يكون مثلهم.. وأسأل مجرّب!

صاحبنا هذا يدّعي أن التجربة أجبرته على انتهاج هذه الطريقة وسلوك هذا الطريق، لكن الحقيقة أن الأمر لم يكن سوى أفكار وُلِدت في لحظات الغضب، وهو من قرر اتباع هذا الأسلوب؛ لأنه رآه الاختيار الأنسب أو الأسهل. وربما كان بإمكانه أن يكون أفضل من ذلك.

ثمة اعتقادات في حياتنا تحدد آلية تفكيرنا من الأساس في مواجهة التحديات والتجارب، حتى قبل خوضها، فنظل أسرى التفكير النمطي، ومنه دور الضحية الذي يفضله بعض الناس.

المطلوب منا، حين نخوض أي تجربة، ألا نقرر فورًا ما علينا فعله، بل أن نصبر ونهدأ، ثم نفكر: هل كنا على صواب من الأساس؟ فهناك من يرى نفسه ضحية فحسب، فيختار الانتقام، بل ويعمّم تجربته دون تمييز، أو على الأقل يضع قواعد تحفظ له مأمنه، دون الإخلال بمبادئه.

وهناك من يمرّ بتجربة مخيّبة لآماله، كأن يتخلى عنه شخص ما، فيعمّم الأمر، ويسيء الظن بالجميع، ويتجنبهم، رغم أن في التجربة دروسًا أخرى لم يستفد منها.

وصاحبنا الأول لم يستفد هو الآخر، ربما لقلة خبرته، فآثر أن يصبح صورةً من واقعٍ يرفضه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى