مقالات

“الوهم المُعتمد: حينما تُباع الأحلام على ورق”

بقلم: أحمد ضياء عثمان

 

في زمنٍ أصبحت فيه الشهادات تجارة، والختم اللامع سلعة، يتسابق كثير من الشباب لاقتناص فرص تدريبية ظاهرها التمكين وباطنها الخداع.

لم يعد الأمر مقتصرًا على التعلّم، بل أصبح سباقًا نحو ورقة ممهورة بـ”اعتماد” لا يُسمن ولا يُغني من جهل، بل يُباع في كثير من الأحيان بأرقام مبالغ فيها، دون تحقق من الجهة أو المادة أو حتى المُدرّب.

فجأة، تجد إعلانًا يَعِدك بكورس “معتمد من وزارة الداخلية والخارجية والأمم المتحدة” مقابل آلاف الجنيهات. والكارثة أن كثيرين يدفعون تلك المبالغ دون أن يسألوا:

من هو المدرب؟

ما مضمون المادة؟

هل الجهة معترف بها فعليًا؟

يظنون أن “الاعتماد” هو العصا السحرية للمستقبل، وأن الشهادة وحدها ستفتح الأبواب.

الحقيقة المُرّة:

إننا نعيش في زمن يتاجر بطموحات الشباب، ويبيع لهم “تطويرًا وهميًا”، مغلفًا بكارنيه ودرع وصورة سيلفي على وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن الواقع صادم:

الشهادات وحدها لا تصنع مستقبلك.

المهارة، المعرفة، والخبرة هي ما يصنع الفرق.

كم من شخص يحمل شهادة في اللغة الإنجليزية، لكنه لا يستطيع أن يُجري مقابلة عمل بسيطة باللغة؟

وكم من سيرة ذاتية تم تصميمها بشكل احترافي، لكنها لم تُفلح في اجتياز مقابلة واحدة؟

أحد الأمثلة التي تُجسد هذه الفجوة؛ فتاة خضعت لدورة حاسوب وحصلت على شهادة ICDL من جهة “قالت” إنها معتمدة. لكنها حين تقدمت لوظيفة، لم يُطلب منها إبراز الشهادة، بل طُلب منها تطبيق عملي بسيط على برنامج Excel، لتكتشف أنها لا تُجيد استخدامه. الشهادة كانت مجرد واجهة… لا أكثر.

عن تجربة شخصية:

أنا كاتب هذا المقال، لدي ملف مليء بالشهادات… اعتمادات متعددة، دورات من جهات محلية ودولية. لكن دعني أكون صريحًا:

لم تُفتح لي الأبواب بسبب ورقة.

لم أحصل على وظيفة بسبب ختم.

بل إنني أعمل اليوم في مجال دولي، أتحدث وأكتب باللغة الإنجليزية، دون أن أملك شهادة “ICDL” أو كورسات إنجليزية مدفوعة. كل ما أملكه: إرادة قوية، وسعي مستمر، وحرص على التعلّم الذاتي.

خدعة الـ CV و”الماكينة السحرية”:

من الخدع الرائجة حديثًا: “نعمل لك سيرة ذاتية تمر من ماكينة ATS، وتوصلك لشغل خلال 3 أيام!”

والحقيقة؟

أمتلك سيرة ذاتية احترافية، منسقة، مصممة، ومع ذلك… لم تكن سبب توظيفي يومًا.

ما يهم هو ما تعرفه، لا ما تكتبه.

نصيحتي لك

لا تنخدع بالكلمات البراقة مثل “معتمد”، “دولي”، “ختم ذهبي”.

لا تُضيّع مالك وجهدك في شهادة بلا مضمون.

اسعَ خلف المعلومة، لا خلف الورقة.

ابحث عن مدرب مؤهل، عن محتوى قوي، عن تطبيق عملي يُكسبك المهارة، لا مجرد توقيع يُرضي غرورك لحظة.

هناك منصات مجانية (مثل إدراك، كورسيرا، YouTube) تقدم محتوى تعليمي على مستوى عالمي… دون مقابل.

المعيار الحقيقي ليس “الختم”، بل “الفهم”.

و في الختام

رسالتي ليست تحذيرًا من التعلّم، بل دعوة إلى التعلّم الواعي.

طوّر نفسك، لكن بذكاء.

ابحث عن العلم، لكن من مصادر موثوقة.

ولا تكن تابعًا في قطيع يسير خلف شهادة مزيفة.

فكر، تحقق، ثم قرّر.

لأن مستقبلك… أثمن من أن يُباع على ورق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى