أخبارعاجلفن

وداعاً صانع النجوم ومجدد الموسيقى العربية.. رحيل الموسيقار الكبير هاني شنودة

بقلم :جيهان الفولي


فقدت الساحة الفنية والثقافية في مصر والوطن العربي، صباح اليوم الاثنين، واحداً من أبرز رموز الإبداع الموسيقي المعاصر وسيد “الهارموني” والتجديد؛ إذ غيّب الموت الموسيقار الكبير هاني شنودة بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود غيّر خلالها وجه الأغنية العربية، وصنع ألحاناً وموسيقى تصويرية نُقشت بحروف من نور في وجدان الملايين.
ونعت نقابة المهن الموسيقية والأوساط الثقافية الراحل بوصفه رمزاً من رموز العطاء الإنساني والفني، وصاحب مدرسة موسيقية استثنائية لا تُعوض.

اللحظات الأخيرة وسبب الوفاة

توفي المايسترو هاني شنودة في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي عن عمر يناهز 83 عاماً. وجاءت الوفاة إثر تدهور حاد ومفاجئ في حالته الصحية ناتج عن وعكة صحية مرتبطة بتقدمه في السن.
وكان الراحل قد دخل المستشفى قبل نحو أسبوعين بعدما ساءت وظائفه الحيوية، وتم نقله على الفور إلى غرفة العناية المركزة. وبحسب تصريحات المقربين منه ومدير أعماله، فقد دخل الموسيقار الكبير في غيبوبة تامة انقطع خلالها عن الطعام والحديث، وظل تحت الرعاية الفائقة وأجهزة التنفس الصناعي، إلى أن تدهورت وظائف الجسم الطبية بصورة متسارعة في الساعات الأولى من صباح اليوم، ليلفظ أنفاسه الأخيرة تاركاً خلفه إرثاً فنياً ضخماً ووصية مؤثرة رددها في آخر حواراته: «سأعزف وأعمل حتى آخر نفس في صدري.. زرعوا فأكلنا، ونزع ليأكلوا».

  1. السيرة والمسيرة: عبقرية طنطا التي وصلت إلى الكونسيرفتوار
وُلد هاني مسيحة شنودة توما في مدينة طنطا بمحافظة الغربية عام 1943. ونشأ في بيئة أحبت الفن، فدرس الموسيقى والتحق بكلية الموسيقى وتخرج فيها عام 1966، قبل أن يصقل موهبته الأكاديمية بالدراسة في المعهد العالي للموسيقى “الكونسيرفتوار”.
بدأ مسيرته الاحترافية في أواخر الستينيات عازفاً بارعاً لآلة “الأورج” في فرق غربية شهيرة بمصر مثل “البلاك كوتس” وفرقة “لي بيتي شاه” العريقة (برفقة عمر خيرت وعزت أبو عوف)، مما منحه أفقاً موسيقياً واسعاً يمزج بين التراث الشرقي الأصيل والهارموني الغربي الحديث.

فرقة “المصريين”: ثورة موسيقية بإيعاز من نجيب محفوظ

شهد عام 1977 التحول الأبرز في مسيرته؛ حيث أسس “فرقة المصريين”، والتي كانت أول فرقة موسيقية حديثة تعتمد على الآلات الكهربائية والغناء الجماعي في مصر. واللافت في هذه التجربة، كما يروي الراحل دائماً، أن فكرة تأسيس الفرقة جاءت بنصيحة وتوجيه مباشر من الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي طالبه بضرورة استبدال الشكل النمطي للأغنية الطويلة ومواكبة روح العصر.
قدّم شنودة عبر الفرقة روائع غيرت الذائقة الشبابية، مثل أغنيات:
 
  • “الشوارع حواديت”
  • “ماشية السنيورة”
  • “متحسبوش يا بنات إن الجواز راحة”


صانع النجوم: العرّاب الأول لمنير وعمرو دياب

عُرف هاني شنودة في الوسط الفني بلقب “صانع النجوم”. فكان كاشفاً حقيقياً للمواهب الاستثنائية، وله الفضل المطلق في صياغة البدايات الفنية لقمم الغناء العربي الحالي:
 
  1. محمد منير: تبنى مشروعه الغنائي الأول، ولحن ووزع له بالكامل ألبومي “علموني عينيكي” و*”بنتولد”*، واضعاً معه ملامح الأغنية النوبية والمصرية الحديثة.
  2. عمرو دياب: اكتشفه في مدينة بورسعيد، وشجعه على الانتقال إلى القاهرة لتبدأ رحلته، وصاغ له ألحان وتوزيعات ألبومه الأول “يا طريق”.
  3. تعاون كذلك مع النجمة الكبيرة نجاة الصغيرة في روائع خالدة مثل “أنا بعشق البحر” و*”بحلم معاك”*.


الموسيقى التصويرية: نبض السينما الواقعية

لم تقتصر عبقرية شنودة على الأغاني، بل وضع بصمته الذهبية في عالم الموسيقى التصويرية لسينما الثمانينيات والتسعينيات، خاصة في الأفلام الواقعية التي أخرجها عمالقة السينما وقام ببطولتها الفنان عادل إمام والفنان أحمد زكي، ومن أشهرها:
 
  • شمس الزناتي (بموسيقاها الشهيرة التي غدت أيقونة حماسية)
  • المشبوه والغول والحريف
  • غريب في بيتي وعصابة حمادة وتوتو


رحيل جسد وبقاء الأثر

حصد الراحل خلال حياته العديد من التكريمات، أبرزها جائزة الدولة التقديرية في الفنون، تقديراً لدوره الريادي في تطوير الموسيقى وتوثيق الهوية الفنية المصرية.
يرحل المايسترو هاني شنودة بجسده، لكن نغماته المبتكرة، والأجيال التي تخرجت من تحت عباءته الفنية، ستظل شاهدة على أن الموسيقى العربية حظيت يوماً بعبقري حقيقي، غيّر المفاهيم وترك الدنيا وموسيقاه تعزف سيمفونية الخلود.
رحم الله الموسيقار هاني شنودة، وألهم أسرته ومحبيه في كل أرجاء الوطن العربي الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى