مقالات

تجربة فابريجاس الملهمة لا تنتظر منحك مكانآ بين الكبار بل أصنع مشروعك بنفسك

بقلمى : إيهاب يوسف 

من الطبيعى جدآ أن يتوج مدرب بلقب دورى الأبطال لأكثر من مرة مستندآ فى ذلك على مشروع كروى متكامل وتقوده منظومة تساعد على النجاح أعدت له فريقآ ينافس ويحصد الألقاب ، قد يأكل الأخضر واليابس ولا يستطيع أحد مقارعته ولكن يظل ذلك الإنجاز داخل حدود العقل البشرى والمنطق الكروى .

أما الجنون الحقيقى والشئ الإستثنائى هو ما يفعله سيسك فابريجاس ذلك الرجل الذى جاء من أقصى القارة حاملآ أماله وطموحه وأفكاره إلى مدينة صغيرة فى شمال إيطاليا كل شهرتها قبل وصول سيسك فابريجاس كانت تتمحور حول صناعة الحرير ، مدينة تدعى كومو لم تكن أبدآ فى حسابات كبار اللعبة ولم يسمع عنها من يهتم بالشأن الكروى .

جائها سيسك ليبدأ حلمه ومشروعه من نقطة الصفر بل قل تحت الصفر جاء ليزرع فلسفته الخاصة ويصنع ويشكل هوية نادى لم يكن يومآ تحت بقعة الضوء ولم يُكتب إسمه يومآ بين النخبة جائه فى 2024 ليصعد به من دورى الدرجة الثانية وفى أول مواسمه أنهى الدورى حاصلآ على مركز مؤهل لدورى الأبطال وها هو الأن وبعد مرور 4 جولات بين العشرة الكبار بمرحلة المجموعات حيث إنه يحل رابعآ بعد باريس وريال مدريد والأرسنال ، ومتخطيآ برشلونة والسيتى وليفربول فهل يعقل ذلك هل من المنطقى أن يكسب كومو مع سيسك الرهان بينما تتعثر أندية تملكها إمبراطوريات مالية مدعومة بحقول النفط وكبرى المؤسسات وتفشل فى بلوغ تلك المكانة ذاتها .

جاء سيسك إلى كومو ليقلب معادلة لعبة كرة القدم رأسآ على عقب بقوة الفكر لا بسطوة المال ، بالعمل الجاد لا بشراء المكانة ، بالعلم والشهادة لا بالواسطة والإعتماد فقط على لقب لاعب كرة قدم سابق ، لقد كسر سيسك منطق التوقعات وتمرد على كل قوانين جاذبية كرة القدم وأخذ كومو من هامش المشهد الإيطالى إلى المكان الذى يتصارع للوصول إليه أغنى وأقوى أندية العالم .

فابريجاس جعل من يريد الأستمتاع بكرة القدم يجب عليه أن يتابع كومو وهذا ليس بغريب فإن كنت تبحث عن المتعة والتيكى تاكا فهو من تربى على يد من أتقنها بيب جوارديولا ، وإن كان يبهرك الصلابة الدفاعية والتحولات فهو من عمل مع ملوك التحولات أنطونيو كونتى ومورينيو ، وإن كنت من أسرى الواقعية والإيقاع الهادى والإنتصارات المريحة فهو من تدرب مع ملك الواقعية فيسنتى ديل بوسكى .

لقد عايش فابريجاس كل تلك الفلسفات الكروية خلال مسيرته كلاعب فساعدت فى تكوين مدرب تكتيكى من طراز فريد يمتلك من القدرة على جعل فريقه جاهزآ أمام كل الخصوم وتحت أى ظرف ، قصة كومو مع سيسك ليس مجرد صعود نادى من الدرجة الأدنى ثم مقارعة الكبار فى جدول الترتيب ، بل هو ولادة مشروع وشهادة ميلاد هوية وإثبات لأهمية العلم والدراسة مع الخبرات وإثبات أن العبقرية حين تقترن بالشجاعة والرؤية تفعل ما تعجز عنه الثروات حين تكون بلا فكرة .

أعتقد أن يوهان كرويف لو كان بيننا اليوم لإبتسم وهو يرى أحد أبناء مدرسته يزرع شجرة جديدة فى أرض لم يتوقع أحد فى يوم من الأيام أن تنبت بها ورقة ، سيفتخر كرويف لأن أحد أبنائه جاء ليعلم الجميع إن كنت تريد أن تكون مبهرآ فلا تنتظر أن يمنحك أحد مكانآ بين الكبار بل أصنع مشروعآ يجبر العالم على أفساح الطريق لك وهذا تحديدآ هو ما يفعله سيسك فابريجاس مع كومو الإيطالى والذى كان حصاد أخر نتائجه بالأمس هو الفوز التاريخى بنتيجة 9 / 1 أمام لانس الفرنسى فى البطولة الأكبر بالعالم دورى أبطال أوروبا ليصبح كومو أول فريق إيطالى يسجل 9 أهداف فى مباراة واحدة فى المسابقات الأوروبية ، وأول فريق يحقق هذا الرقم خارج ملعبه فى دورى أبطال أوروبا بشكله الحديث .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى