ليست المناصب في الإسلام وجاهةً يتفاخر بها أصحابها، ولا سلطةً يتسلطون بها على الناس، وإنما هي أمانة ثقيلة، سيسأل الله عنها كل من تقلدها. فبقدر ما يمنح المنصب صاحبه من صلاحيات، يضاعف عليه المسؤولية، ويجعل العدل والرحمة ميزانًا يحاسب عليه أمام الله قبل أن يحاسب عليه أمام الناس.
ومن أروع المواقف التي سجلها التاريخ الإسلامي، ما رواه الصحابي الجليل عائذ بن عمرو رضي الله عنه، حين دخل على عبيد الله بن زياد، وكان واليًا على البصرة، فلم يجامله، ولم يسكت عن الحق، بل قال له: «يا بُنَيَّ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ شرَّ الرِّعاءِ الحُطَمةُ، فإياك أن تكون منهم». حديث أخرجه مسلم في صحيحه،ليظل دستورًا خالدًا لكل من يتولى شؤون الناس.
لكن هذا الوالي قابل النصيحة بكلمة جارحة، فقال: “إنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”. فجاءه الرد الذي يكتب بماء الذهب: «وهل كانت لهم نخالة؟! إنما كانت النخالة بعدهم، وفي غيرهم». إنها كلمة تحمل دفاعًا عن خير جيل عرفته البشرية، وتؤكد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قممًا في الإيمان والصدق والوفاء.
أما “الحُطَمة”، فهي وصف بليغ للمسؤول الذي يحطم الناس بظلمه، ويكسر خواطرهم بقسوته، ويستقوي بمنصبه على الضعفاء. إنه الذي يظن أن الشدة دليل قوة، وأن التعالي هيبة، وأن إذلال الناس نجاح، بينما الحقيقة أن القوة الحقيقية هي قوة العدل، وأن أعظم الهيبة هي هيبة الأخلاق.
إن أخطر ما يصيب المؤسسات والمجتمعات ليس قلة الإمكانات، وإنما قسوة المسؤول حين يغيب الضمير، ويحل الكبر محل التواضع، ويصبح المنصب وسيلة للانتقام بدلًا من خدمة الناس. عندها تضيع الحقوق، وتضعف الثقة، ويشعر أصحاب المظالم بأن أبواب الإنصاف قد أغلقت.
لقد قدم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج العملي للقيادة؛ فكان قريبًا من أصحابه، يسمع شكواهم، ويقضي حوائجهم، ويقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». إنها قاعدة خالدة تؤكد أن الرحمة ليست ضعفًا، بل هي عنوان القيادة الرشيدة.
واليوم، يحتاج كل مسؤول، مهما كان موقعه، إلى أن يقف مع نفسه وقفة صدق، ويسألها: هل أنا ممن ييسرون أم ممن يعسرون؟ هل أكون سببًا في قضاء مصالح الناس أم في تعطيلها؟ هل يخرج الناس من عندي وهم يدعون لي، أم يدعون علي؟
إن المناصب تزول، والكراسي تتبدل، ويبقى العمل شاهدًا لصاحبه أو عليه. وما أجمل أن يلقى الإنسان ربه وقد حمل الأمانة بأمانة، وأدار المسؤولية بعدل، وخدم الناس بإخلاص، فلم يكن من “الرعاة الحُطَمة”، بل كان من الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
فطوبى لكل مسؤول جعل من منصبه بابًا للعدل، وجسرًا لقضاء حوائج الناس، ووسيلةً لابتغاء مرضاة الله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حذر فقال: «إن شر الرعاء الحُطَمة، فإياك أن تكون منهم».