تحقيقاتتقارير

كارثة أوسيم.. عندما يغدر المعلم بالبراءة.. سناء سعفان تفتح ملف “التحرش بالأطفال” مع كبير الأئمة بوزارة الأوقاف

حوار / سناء سعفان 

 

قال تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ}.. من هذه الآية المحكمة، تفتح جريدة “الطبعة الأولى” ومن خلال برنامجنا “نور الآية وبصيرة الحكاية” ملفاً شائكاً يدمي القلوب، بعد واقعة “مدرس أوسيم” الذي تجرد من إنسانيته ليتحرش بثلاثة أطفال داخل منزلهم. في هذا الحوار الخاص، نبحث مع فضيلة الدكتور منصور مندور، كبير الأئمة بوزارة الأوقاف، في ميزان الشريعة: كيف حصّن الإسلام براءة أطفالنا؟ ومتى يكون الصمت خيانة؟

سناء سعفان: فضيلة الدكتور، صدمة كبيرة عاشتها مدينة “أوسيم” بعد القبض على مدرس لغة إنجليزية تحرش بثلاثة أطفال في منزلهم.. كيف ينظر الإسلام لمن يغدر بالأمانة ويستغل مهنة التعليم لارتكاب هذا الجرم؟

دكتور منصور مندور: أهلاً بكِ أستاذة سناء. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}. ما فعله هذا الشخص هو “خيانة عظمى” للأمانة؛ فالمعلم والمنزل هما مصدرا الأمان للطفل، فإذا غدر المعلم وانتهكت حرمة المنزل، فنحن أمام جرم مضاعف. التحرش بالأطفال ليس انحرافاً بسيطاً، بل هو انتهاك جسيم لهذا التكريم الإلهي، واعتداء على “بنيان الله” في أرضه.

سناء سعفان: البعض يرى التحرش مجرد “تجاوز”، فما هو التوصيف الشرعي الدقيق للمتحرش؟ وهل نعتبره مفسداً في الأرض؟

دكتور منصور مندور: قال تعالى: {وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ}. لقد حرم الإسلام كل أنواع الاعتداء الجسدي والنفسي واعتبرها ظلماً مبيناً. المتحرش بالطفل يروع براءة لا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها؛ لذا يمكن توصيفه “بالمفسد في الأرض” لأنه يهدم نفوساً ويقتل الأمان في المجتمع. العقوبة هنا يجب أن تكون تعزيراً مغلظاً وردعاً يوازي جرم ترويع البراءة.

سناء سعفان: أولياء الأمور في أوسيم لم يصمتوا وأبلغوا الشرطة فوراً.. متى يصبح “الستر” على المعتدي جريمة في حق الطفل والمجتمع؟

دكتور منصور مندور: قال تعالى: {وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلۡبُهُۥ}. الستر المشروع هو ستر العيوب الشخصية، أما التحرش فهو جريمة متعدية. الصمت هنا بدعوى “الستر” هو في الحقيقة “تستر على مجرم” وخيانة لأمانة المجتمع. ما فعله أهالي أوسيم هو عين العقل والشرع؛ فستر المجرمين هو تمكين لهم من افتراس ضحايا جدد، ولا يجوز لولي الأمر “التصالح” على حساب حق الطفل المنهوب.

سناء سعفان: نأتي لمحور التوعية.. كيف نعلم أطفالنا خصوصية أجسادهم دون خدش حيائهم؟ وهل في المنهج القرآني ما يدعم ذلك؟

دكتور منصور مندور: القرآن الكريم وضع “الثقافة الوقائية” في قوله: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ…}. تعليم الطفل الاستئذان هو تعليم لخصوصية الجسد. نحن لا نفتح مداركهم للشر، بل نسلحهم بالوعي. تعليم الطفل أن هناك حدوداً لجسده لا يلمسها أحد هو تطبيق للأمانة الشرعية، وهو واجب على الأسرة قبل وقوع الخطر.

سناء سعفان: فضيلة الدكتور، ما هي رسالتك لأولياء الأمور لتجنب وقوع مثل هذه الكوارث مستقبلاً داخل بيوتهم؟

دكتور منصور مندور: رسالتي هي “اليقظة التامة”؛ فالبيت له حرمة، والأبناء أمانة سيسألنا الله عنها. لا بد من اختيار من يدخل بيوتنا بدقة، ومراقبة سلوك الأبناء وتغيراتهم النفسية. يجب كسر حاجز الخوف بيننا وبين أطفالنا ليكونوا صرحاء معنا. الإهمال في الرقابة بدعوى الثقة العمياء هو “تقصير في الأمانة”، وعلينا دائماً تفعيل مبدأ “الوقاية خير من العلاج”.

سناء سعفان: وكيف يساهم المجتمع ككل في نبذ هذه الظواهر الغريبة وحماية البراءة؟

دكتور منصور مندور: المجتمع شريك أصيل؛ فعلينا ألا نرحم المجرم بنظرة “شفقة” زائفة، وألا نوصم الضحية أو أهله. التوعية في المساجد والكنائس والمدارس واجب شرعي ووطني. حين يدرك كل متحرش أن المجتمع والشرع والقانون يقفون ضده كبنيان واحد، سيندحر الشر. المجتمع القوي هو الذي يحمي أضعف فئاته، وأطفالنا هم الأحق بهذه الحماية.

سناء سعفان: في نهاية حوارنا، نؤكد أن حماية الطفل ليست رفاهية، بل هي صلب الدين وعمق الشريعة. مأساة أوسيم يجب أن تكون جرس إنذار لنا جميعاً في اليقظة وحسن اختيار من نأتمنهم على أطفالنا. شكراً لفضيلة الدكتور منصور مندور على هذه البصيرة في فهم “نور الآية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى