تقارير

قانون الاسرة .. فى قفص الاتهام

عبير عاطف

لم يعد الجدل حول قانون الأسرة حبيس قاعات المحاكم، بل خرج إلى الشارع وإلى كل بيت يشعر بأن التوازن داخل الأسرة لم يعد كما كان. وبين نصوص تهدف إلى الحماية وواقع يكشف نتائج مختلفة، أصبح من الضروري طرح السؤال بوضوح: هل حقق القانون العدالة أم خلق اختلالًا غير مقصود؟

لا خلاف على أن فلسفة القانون قامت على حماية المرأة والطفل، وهي غاية نبيلة لا يمكن إنكارها، لكن الواقع يشير إلى أن القانون الذي وُضع للحفاظ على الأسرة قد أسهم — في بعض الحالات — في تفككها. وهنا لا تكمن المشكلة في الهدف، بل في بعض الآليات التي أفرزت واقعًا مغايرًا.

فعندما تم ربط مسكن الحضانة بالحضانة نفسها، ورغم أهمية ذلك، تحول الأمر في بعض الحالات إلى محور صراع، وأصبح عاملًا مؤثرًا في قرار الاستمرار أو الانفصال. كما أن امتداد سن الحضانة لفترات طويلة، دون مشاركة فعلية من الأب، أدى إلى تراجع دوره التربوي، ليس تقصيرًا منه دائمًا، بل نتيجة تنظيم قانوني لا يمنحه المساحة الكافية.

أما نظام الرؤية، فهو أحد أكثر النقاط إثارة للجدل، إذ اختزل العلاقة بين الأب وأبنائه في ساعات محدودة داخل أماكن عامة. وهنا لا نتحدث فقط عن قِصر الوقت، بل عن علاقة تُبنى في ظروف غير طبيعية تخلو من تفاصيل الحياة اليومية.

والنتيجة؟

أب يتحول — قانونيًا — إلى «زائر»، وطفل يفقد تدريجيًا الإحساس بوجود أب حاضر في حياته.

ولا يقف الأثر عند حدود العلاقة الشكلية، بل يمتد إلى العمق النفسي. فالطفل الذي لا يعيش مع والده تفاصيل يومه قد ينشأ وهو يحمل شعورًا غير مفهوم بالغياب، وقد يفسر هذا الغياب على أنه تخلٍّ، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحًا. ومع مرور الوقت، قد تتأثر ثقته بنفسه، وصورته عن العلاقات، وقدرته على الإحساس بالأمان.

كما لا يمكن إغفال أن بعض هذه الثغرات، إلى جانب عوامل اجتماعية أخرى، قد تجعل الطلاق — في نظر البعض — خيارًا أقل تعقيدًا من الاستمرار، وهو ما يستدعي التوقف والمراجعة.

ورغم ذلك، من المهم التأكيد على أن:

ليست كل امرأة تسعى إلى الطلاق بدافع المكاسب.

وليس كل أب ضحية.

لكن وجود نصوص أو تطبيقات غير متوازنة قد يفتح الباب لسوء الاستخدام، ويُنتج أنماطًا متكررة من الصراع.

إن القضية ليست انحيازًا لطرف على حساب آخر، بل هي غياب توازن حقيقي يحقق:

حماية للأم،

ودورًا فعليًا للأب،

واستقرارًا نفسيًا للطفل.

قانون الأسرة لا يحتاج إلى هدم، بل إلى مراجعة واعية تعيد ضبط المعادلة، لأن العدالة داخل الأسرة لا تُقاس بمن حصل على ماذا، بل بمن بقي حاضرًا في حياة الطفل.

فالطفل لا يحتاج إلى أب يراه فقط، بل يحتاج إلى أب يعيش معه.

وأخيرًا، فإن أي تعديل تشريعي مرتقب يجب أن ينطلق من رؤية شاملة تراعي جميع الأطراف، مع وضع مصلحة الأبناء في المقام الأول. فالمطلوب ليس مجرد نصوص قانونية، بل منظومة متوازنة تضمن مشاركة حقيقية من كلا الوالدين في التربية، وتضع ضوابط واضحة للحد من أي تدخلات سلبية قد تُفسد علاقة الطفل بأحد والديه.

نريد قانونًا يحمي كيان الأسرة بحق، لا أن يكون — دون قصد — سببًا في تفككها أو ضياع أجيال قادمة. ونريد قانونًا لا يمنح امتيازات أو حقوقًا قد تدفع أحد الطرفين إلى اعتبار الطلاق الحل الأسهل، بل يحقق التوازن والعدالة بما يحفظ استقرار الأسرة ومصلحة الأبناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى