برشامة الغش.. حين يتحول الفساد من جريمة فردية إلى ثقافة مجتمعية

بقلم أشرف ماهر ضلع
في كل عام، ومع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تعود إلى السطح أسئلة مؤلمة لا تتعلق بالعلم بقدر ما تتعلق بالأخلاق، ولا تخص الامتحان بقدر ما تخص الضمير. وبينما تتأهب الدولة بمؤسساتها المختلفة لتأمين اللجان، وتغليظ العقوبات، وتطوير وسائل الرقابة، يخرج علينا عمل فني مثل فيلم “برشامة” ليضع إصبعه على الجرح الحقيقي، ويكشف الوجه الخفي لمعركة تتجاوز أسوار المدارس وقاعات الامتحانات.
إن أخطر ما يطرحه الفيلم ليس واقعة غش هنا أو تسريب هناك، بل تلك الفكرة المرعبة التي تقول إن الفساد في الامتحانات لم يعد مجرد سلوك فردي يمارسه طالب ضعيف الإرادة، بل أصبح لدى بعض الفئات مشروعًا جماعيًا تتشابك فيه المصالح، وتتداخل فيه الأدوار، وتُسخَّر فيه الأموال والعلاقات والنفوذ من أجل هدف واحد: الحصول على النجاح بأي ثمن.
لقد تحولت الثانوية العامة عند البعض من محطة للعلم والاجتهاد إلى معركة للالتفاف على القوانين. فكلما أغلقت الدولة بابًا، حاول أصحاب المصالح فتح نافذة؛ وإذا سدت نافذة، بحثوا عن ثقب في الجدار. مرة عبر أجهزة إلكترونية دقيقة، ومرة عبر صفحات مجهولة، ومرة عبر وسطاء وسماسرة، ومرة عبر استغلال نفوذ أو جاه أو مال. إنها حرب لا تُخاض ضد الامتحان فقط، بل ضد قيمة الاستحقاق نفسها.
والمؤلم أن هذه الظاهرة لا تنشأ من فراغ، بل تجد أحيانًا بيئة تتسامح معها أو تبررها. فهناك من يرى الغش “شطارة”، ومن يعد النجاح بأي وسيلة إنجازًا، ومن يقيس النتائج بالأرقام لا بالجهد، وبالشهادات لا بالمعرفة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ لأن المجتمع عندما يصفق للنتيجة ويتجاهل الطريق إليها، فإنه يزرع بذور الفساد بيديه ثم يشتكي من حصاده.
لقد بذلت الدولة جهودًا ضخمة في مواجهة هذه الظاهرة؛ فشُددت العقوبات، وطُورت آليات المراقبة، واستُخدمت التكنولوجيا الحديثة، ووضعت قوانين أكثر صرامة. لكن التجربة تثبت أن القانون وحده، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن ينتصر إذا ظل بعض الناس يبحثون عن طرق جديدة للالتفاف عليه. فالمعركة ليست أمنية فقط، وليست تشريعية فقط، بل هي معركة وعي وقيم وثقافة.
إن الغش في الامتحان ليس مجرد إجابة تُنقل من ورقة إلى أخرى، بل هو رسالة خطيرة تقول إن الوصول إلى الهدف أهم من استحقاقه. وهو المنطق ذاته الذي يصنع موظفًا فاسدًا، وطبيبًا غير مؤهل، ومهندسًا يفتقد الكفاءة، ومسؤولًا لا يعرف معنى الأمانة. فكل فساد كبير يبدأ غالبًا بتبرير صغير.
ومن هنا تأتي أهمية الأعمال الفنية الجادة التي تفتح النقاش حول هذه القضايا، لا باعتبارها حوادث موسمية، بل باعتبارها ظواهر تستحق التأمل والمراجعة. فالفن الحقيقي لا يكتفي بإضحاك الجمهور أو تسليته، بل يوقظه على الأسئلة التي يخشى مواجهتها، ويضع أمامه مرآة يرى فيها عيوبه قبل أن يرى عيوب الآخرين.
إن مواجهة الغش لا تبدأ عند بوابة اللجنة، بل تبدأ داخل البيت، وفي المدرسة، وفي الخطاب الإعلامي، وفي منظومة القيم كلها. تبدأ عندما نعلم أبناءنا أن النجاح المستحق، مهما تأخر، أشرف من نجاح مزيف يأتي سريعًا. وتبدأ عندما يصبح التفوق ثمرة جهد لا نتيجة حيلة، وعندما يتحول احترام القانون إلى قناعة لا إلى خوف من العقوبة.
فالأمم لا تبنى بالشهادات وحدها، بل تبنى بالضمائر التي تستحق تلك الشهادات. وإذا كان الامتحان يقيس معرفة الطالب لساعات، فإن الأمانة تقيس معدن الإنسان طوال العمر.


