هل أستأذن قبل أن أفتح هاتفي؟

كتبت / فاطمة أحمد مختار
السوشيال ميديا… بيوت بلا أبواب
أحيانًا عندما أمسك هاتفي وأفتح أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي ينتابني شعور غريب … كأنني دخلت بيوتًا كثيرة دفعة واحدة دون أن أطرق أبوابها أو أستأذن أصحابها.
أتنقل بين المنشورات فأجد أسرة تجلس مائدة الإفطار أمامي وبعد دقائق أرى غرفة النوم وخزانة الملابس ومشتريات اليوم ثم أتابع خلافًا عائليًا
أو لحظة غضب أو حتى تفاصيل خاصة كان من المفترض أن تبقى بين جدران المنزل.
أتساءل: متى أصبح كل شيء قابلًا للنشر؟ ومتى تحولت الخصوصية من قيمة نحافظ عليها إلى محتوى نسابق الزمن لننشره؟
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت عند البعض نافذة مفتوحة على مدار الساعة، يدخل منها الجميع إلى تفاصيل الحياة اليومية وكأن البيوت فقدت أبوابها وأصبحت الخصوصية خيارًا مؤجلًا أمام الرغبة في الظهور، أو البحث عن التفاعل، أو جمع الإعجابات.
لا أحد يعترض على مشاركة اللحظات الجميلة، أو توثيق الذكريات، أو نشر ما يفيد الآخرين، فهذه كلها استخدامات إيجابية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح كل ما نعيشه مشروع منشور، وكل وجبة صورة، وكل زيارة بثًا مباشرًا، وكل مناسبة تقريرًا كاملًا، حتى لم يعد هناك فرق بين الحياة الحقيقية والحياة التي تُعرض على الشاشة.
الأخطر من ذلك أن بعض الناس لم يعودوا يعيشون اللحظة كما هي، بل يعيشونها من خلال عدسة الهاتف أصبح السؤال الأول: كيف سأصورها؟ وليس: كيف سأستمتع بها؟
ولأن ما يُنشر يبقى فقد تتحول لحظة عابرة إلى مادة يتداولها الغرباء أو تُستخدم خارج سياقها، أو تُفهم بطريقة مختلفة فالخصوصية ليست خوفًا من الناس، بل احترامًا للنفس، وللأسرة،وللعلاقات التي لا تحتاج إلى جمهور.
ربما لا نحتاج إلى أن نغلق حساباتنا لكننا نحتاج إلى أن نعيد رسم حدود ما يستحق النشر وما يستحق أن يبقى داخل البيت.
لقد علَّمنا ديننا أدب الاستئذان قبل دخول البيوت، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)﴾ سورة النور
فقد أمرنا الإسلام بالاستئذان قبل عبور بابٍ من خشب، فكيف أصبحنا اليوم نفتح أبواب بيوتنا بأنفسنا أمام العالم كله؟ إن المشكلة لم تعد فيمن يشاهد بل فيمن أزال الباب وكشف الستر ونسي أن للخصوصية حرمةً لا ينبغي أن تُفرِّط فيها الشاشات فبعض اللحظات تزداد جمالًا عندما تبقى بين أهلهاوبعض الأسرار هي التي تمنح البيوت دفئها وبعض الأبواب خُلقت لتُطرق قبل أن تُفتح.



