نصر سلامة لم تكن الأطروحة التي فجرها المؤرخ وعضو المنظمة العالمية للمتاحف (الأيكوم) بسام الشماع في أواخر التسعينيات مجرد رأي عابر، بل كانت بمثابة حجر حُرّك في مياه علم المصريات الراكدة تحت اسم “Bassam Second Sphinx”. واليوم، يعود هذا الجدل العلمي إلى الصدارة بعد قرابة ثلاثة عقود، مدعومًا بتقرير نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية عام 2026، والذي أعاد الاعتبار للمصدر الفكري المصري، ليؤكد أن دور المصريين لم يعد مقتصرًا على التنقيب واستخراج القطع الأثرية، بل يمتد إلى قيادة التنظير العلمي وصناعة الفرضيات التاريخية الكبرى. الفرضية المثيرة، سيمترية العقيدة والتمثال المفقود: تنطلق النظرية من تساؤل جوهري حول عبقرية التصميم عند المصري القديم، حيث كانت “السيمترية” أو التناظرية منهجًا مقدّسًا لا غنى عنه؛ فالمسلات، والتماثيل الصرحية، وطرق المواكب المعروفة خطأ بالكباش، تُبنى دائمًا في أزواج متقابلة. ويرى الشماع أن هضبة الجيزة كانت تضم “زوجًا” من التماثيل وليس تمثالًا واحدًا؛ حيث يقبع أبو الهول الثاني (وهو تمثال أنثوي) مدفونًا تحت الرمال في بقعة موازية للتمثال الحالي خلف معبد الوادي. ويعزز هذه الفرضية وجود معبدين متقابلين في المنطقة: معبد أبي الهول، ومعبد الوادي؛ فإذا لم يكن هناك تمثال آخر يوازن المشهد، فما الغرض العقائدي من تشييد معبد ثانٍ مواجه له؟
وفي العمق العقائدي، تشير النصوص القديمة إلى “الثنائية المقدسة” المتمثلة في الأسد والأنثى (أخ وأخته)، وهو ما يتقاطع مع رمزية “الآكر” (الأسدين الحارسين للمقابر بظهرين متقابلين لحماية الشرق والغرب)، ومنظر “الروتي” في البرديات لأسدين يرتبطان بالأفق واستمرارية الحياة، حيث تظهر لبدة أحدهما أصغر من الآخر، في إشارة صريحة للأنثى. أربعة أدلة رسمت ملامح “الأثر الغائب” اعتمد الشماع في توثيق نظريته التي أمضى في دراستها ما يزيد على 25 عامًا على حزمة من الأدلة المتباينة: . لوحة الحلم.. الانعكاس البصري اللوحة الجرانيتية القابعة بين مخالب أبي الهول للملك تحتمس الرابع، تُظهر منظرين لتقديم القرابين وحرق البخور لتمثالي أبي الهول يحملان اسم “حور إم آخت” (حورس في الأفق). ورغم أن الرأي التقليدي يرى في ذلك مجرد محاكاة فنية وتكرار مرآتي، فإن النص يحتمل تفسير الوجود الفعلي لكيانين أثريين، لا سيما مع وجود رمزين بجانب التمثال الجنوبي يحملان دلالات التدمير والفناء وتنطق بالهيروغليفية “حتم” (htm). . صاعقة السماء في “لوحة الإحصاء” تعد هذه اللوحة الحجرية الصغيرة (70 × 42 سم)، والتي استقرت مؤخرًا في مخازن المتحف المصري الكبير تمهيدًا لعرضها، الدليل الأكثر حساسية؛ إذ تشير نصوصها إلى أن الملك خوفو قام بـ”ترميم” أبي الهول بعد أن ضربته صاعقة سماوية دمرت تاجه المعدني وجزءًا من أطرافه الأمامية. ويرد الشماع على المشككين في دقة اللوحة (التي استنسختها الأسرة 26 الصاوية الوطنية بعد طرد الكوشيين) بأن الصاويين لم يكن لديهم أي دافع لاختلاق مخربشات على لوحة بهذا الحجم الصغير لو لم تكن تنقل تاريخًا حقيقيًا. ويفسر الشماع عدم قيام المصريين القدماء بإعادة بناء الجزء المدمر من أبو الهول الثاني بأن النص اعتبر الصاعقة “قرارًا من رب السماء”، والشرائع القديمة كانت تمنع التدخل في ترميم ما دمرته الإرادة الإلهية، فترك محطمًا حتى طمرته الرمال.
. صور الأقمار الصناعية و”بقعة ناسا الصفراء” في عام 1994، التقط قمر الاستشعار عن بعد “إنديفر” التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) صورة ملونة لهضبة الجيزة، ظهرت فيها “بقعة صفراء” واضحة خلف معبد الوادي بمحاذاة التمثال الحالي. وعقب مراسلة رسمية مع معمل ناسا، جاء الرد العلمي ليؤكد وجود كتلة صخرية منحوتة على عمق يتراوح بين 3 إلى 4 أمتار تحت الرمال، قد تكون بفعل الطبيعة أو أيدي البشر، وهو ما أشعل شرارة البحث المستمر. . شهادات الرحالة القدامى: تتطابق ملامح النظرية مع كتابات مؤرخي العصور الوسطى؛ حيث وصف “ابن جبير” في القرن الثاني عشر تمثالًا ظهره للشرق أطلق عليه اسم “تعرف بأبو الهول”، فضلًا عن إشارات واضحة لتمثال آخر قريب ذكره كل من المقريزي والقضاعي. نقد التأريخ التقليدي ومستقبل الكشف يفكك الشماع المسلّمة العلمية التي تنسب أبي الهول للملك “خفرع”، مؤكدًا عدم وجود أي نص صريح يربط بينهما حتى الآن، وأن العلماء اعتمدوا فقط على التناسب الجغرافي والمعماري مع المجموعة الجنائزية للهرم الثاني، وهو ما يراه غير كافٍ حسمًا. وطالما أن لوحة الإحصاء تؤكد قيام خوفو (والد خفرع) بالترميم، فإن التمثال بالتبعية أقدم من عصر خوفو نفسه. ”غياب الدليل ليس دليلًا على غيابه” مستشهدًا بمقولة علمية شهيرة، وبتصريح عالمة الآثار الفضائية “سارة بركاك” بأن ما تم اكتشافه من آثار مصر حتى عام 2016 لا يتجاوز 1% من المخزون الفعلي تحت الأرض، يطرح الباحث اقتراحًا عمليًا لوزارة السياحة والآثار المصرية: تسيير طائرات مسيرة (درون) مجهزة بأشعة مخترقة للأرض (GPR) في المنطقة الواقعة خلف معبد الوادي لرصد طبيعة تلك الكتلة الصخرية وحسم اللغز دون الحاجة لجهود حفر أولية شاقة. خاتمة تبقى أطروحة “أبو الهول الثاني” فرضية علمية رصينة تدعمها القرائن وتنتظر الحسم التكنولوجي والميداني. وبحسب المفكر بسام الشماع، فإن هذا البحث الممتد لأكثر من ربع قرن، في حال ثبوت صحته يوما ما، سيكون إهداءً خالصًا للشعب المصري، وللإرث الثقافي الذي يثبت مجددًا أن باطن الأرض في مصر لا يزال يملك القدرة على إعادة كتابة التاريخ.