بقلم/ الدكتور فكرى فؤاد
أستاذ النظم والتحول الرقمى
تمُثل السيادة الرقمية للدولة تحدياً جديداً للدول الحديثة والتي تسعى ان تكون متقدمة تكنولوجياً .فالدولة ،بوصفها نظاماً معقداً ،مجُبرة على التكيف مع الظروف التكنولوجية المتغيرة جذرياً في البيئة الخارجية ،والاستجابة للتهديدات والمخاطر الجديدة في المجال الرقمي ، وذلك للحفاظ على قدرتها على إدارة المجالات الرئيسية في حياتها بكفاءة ، والتي تشمل في المقام الأول المجالات الاجتماعيٍة والسياسية والاقتصادية ،فضلاً عن الإدارة العامة على مستوى الدولة . ومن الواضح أن فقدان السيادة في اى من هذه المجالات يعُد أّمراً بالغ الخطورة على نظام الإدارة العامة برمته.
إن إحدى القضايا الرئيسية للسيادة الرقمية، تتمثل فى مشكلة التنظيم القانوني وضمان أمن البيانات الضخمة والمعلومات الخاصة في كل من القطاعين الحكومي والتجاري ،فضلا ًعن العلاقات مع السكان ،وتكتسب أهمية متزايدة .في العصر الرقمي، عصر البيانات، و تمُثل البيانات ،ولا سيما البيانات الضخمة ،رصيداً قيمّاً يتُيح تحليلها ابتكار نماذج أعمال جديدة أو تحديث النماذج القائمة ،فضلاً عن تحديد العلاقات القائمة .ولا يقتصر هذا على معالجة الجوانب الأخلاقية لاستخدامها فحسب ،بل يشمل أيضاً حماية الملكية الفكرية الناشئة .ويكتسب تطوير تقنيات المعلومات التنافسية أهمية متزايدة.
علاوة على ذلك ،تستخدم الإدارة العامة وجهات صنع القرار بشكل متزايد تحليل كميات كبيرة من البيانات غير المهيكلة وشبه المهيكلة (أي بيانات عشوائية وغير متكاملة او متكاملة على مستوى كل جهة وليس على المستوى الوطنى) تستخدم في عمليات صنع القرار. ومع ذلك ،تجدر الإشارة إلى أنه في هذه المرحلة، لا يوجد إطار قانوني لاستخدام تلك البيانات والتقنيات الرقمية الحديثة ،والتي من شأن تطويرها أن يدعم السيادة الرقمية.
علاوة على ذلك ،وفي سياق الثورة الرقمية تتفاقم المشاكل القائمة في المجال الاقتصادي باعتبارها تهديدات للسيادة الوطنية مثلا: الإرهاب الإلكتروني والتجسس الإلكتروني ،والتهرب الضريبي والأنشطة غير القانونية الأخرى المتعلقة بتلقي وإخفاء الدخل، وتنفيذ النشاط غير القانوني على الإنترنت.
سيساهم حل هذه التحديات في إرساء الأساس اللازم للظهور الرقمي من خلال دمج القدرات التكنولوجية والكفاءات الرقمية لتحقيق السيادة الرقمية .ومن الجدير بالذكر أيضا أًن تطوير وتعزيز السيادة الرقمية سيتجاوز مشكلة الإدارة العامة ،المرتبطة بالمبادئ الجغرافية القائمة، وذلك بتوسيع نطاقها ليشمل الفضاء الرقمي استنادا إلى مبدأ خارج الحدود الإقليمية.
هنا، نفهم السيادة الرقمية كخاصية ناشئة للدولة كنظام معقد ،تنشأ من خلال ربط ملائم وفعاّل بين البنية التحتية التكنولوجية الرقمية للدولة والكفاءات والمهارات الرقمية للمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية ،فضلا عن المواطنين أنفسهم ،بما يتوافق مع التطور التكنولوجي للحضارة الإنسانية .ومن خلال ظهوًر هذه الخاصية الناشئة ،السيادة الرقمية، تتحقق السيادة الرقمية.
تتحول التقنيات الرقمية والبيانات إلى موارد وطنية يمكن للدولة والمجتمع استخدامها بشكل مستقل لتحقيق مصالحهما الاستراتيجية.
ونرى انه ،لا تكفي الإجراءات التنظيمية والتقييدية الحالية في البيئة الرقمية لدعم السيادة الرقمية .وبالتالي، يعُد ضّمان التنوع الرقمي بشكل استباقي، سواء ًمن الناحية التكنولوجية أو من حيث المهارات، عاملا حاسما يؤثر على قدرة الدولة الحديثة على المطالبة بسيادتها بشكل فعاّل وفاعل وإلا فإن أي دولة يعتمد عملها على التقنيات والحلول والمنصات والأساليب والمفاهيم الرقمية المستوردة ،في غياب الكفاءات والمهارات الرقمية المتطورة ،تخاطر بأن تصبح مجرد ملحق رقمي او تابع للقوى المتقدمة تقنياً
إن القدرة على أخذ مكانة الفرد في الفضاء الرقمي العالمي ككيان مستقل ،في رأينا ، شرط أساسي وهام للتنمية الناجحة والمستقلة للدول الحديثة في السياق الحالي للتحولات التكنولوجية الرقمية.
والملاحظ لنصوص الدستور في بعض الدول انه لم يتضمن أحكاما ومبادئ أساسية كافية لصياغة مفهومي السيادة الرقمية والمعلوماتية كأشكال جديدة من سيادة الدولة وحتى على المستوى اللفظى لم تذكر كلمة التحول الرقمى في بعض الدساتير .ولم يتم التركيز على مفهومين للسيادة الرقمية : السيادة الرقمية للدولة والسيادة الرقمية للأفراد. وتعُد السيادة الرقمية الفردية جزءاً من مهمة تحقيق السيادة الرقمية للدولة ،وذلك لتحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي الرقمي وممارسة الحقوق والحريات الدستورية التي لا يجوز تقييدها . حيث تؤكد الدراسات المقارنة التي أجُريت عن مواقف قائمة على الأدلة بشأن جوهر السيادة الرقمية والمعلوماتية ،ونطاق تنظيم هذه الأشكال من سيادة الدولة في بعض الدساتير ،والمعايير الكامنة وراء التمييز بينها .
وفى النهاية تبقى كلمة
يوضح هذا المقال أهمية تطوير المبادئ الدستورية وتحسين القانون الوطني ،إذ يتضمن دعوة عملية راسخة لتعديل الدستور والتشريعات الخاصة بالتحول الرقمى لضمان سيادة الدولة الرقمية



