دين

القاضي الذي رفض أن يُجامِل الرشيد

بقلم/ حسن محمود الشريف

في تاريخ الإسلام رجالٌ ضربوا أروع الأمثلة في العدل والنزاهة، فلم تُغْرِهم المناصب، ولم تُرهبهم هيبة السلطان، ولم يسمحوا لأنفسهم أن يميلوا عن الحق إرضاءً لأحد، مهما علا شأنه أو ارتفعت مكانته. ومن هؤلاء القاضي عافية بن يزيد، الذي تُروى عنه مواقف تكشف عن ورعه وخشيته من الله وحرصه على إقامة العدل بين الناس.
موقفه مع هارون الرشيد
تُروى قصة عن القاضي عافية بن يزيد، أنه كان يومًا في مجلس الخليفة هارون الرشيد، وقد حضر بعض الناس يشكون أحكامه ويتظلمون من طريقته في القضاء، لما عُرف عنه من حرصه على إنصاف المتخاصمين وعدم محاباة أحد على حساب الآخر.
فأمر الخليفة باستدعائه، وحين حضر أخذ يسأله عن أحواله في القضاء وكيف يفصل بين الناس.
وبينما هم في المجلس، عطس هارون الرشيد، فبادر الحاضرون إلى تشميته، قائلين: «يرحمك الله»، إلا أن القاضي عافية لم يفعل.
فالتفت إليه الخليفة وسأله مستغربًا: لماذا لم تُشَمِّتني كما فعل القوم؟
فأجابه القاضي في ثبات: لأنك لم تحمد الله!
واستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين عطس رجلان عنده، فشمَّت أحدهما ولم يشمِّت الآخر، فلما سأله الرجل عن السبب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله».
رواه البخاري.
وتذكر بعض الروايات أن هارون الرشيد أعجب بموقف القاضي، وأمره بالعودة إلى عمله، في إشارة إلى أن من يتحرى الحق في أمر يسير، يُرجى منه أن يتحراه في أمور القضاء العظيمة.
وهكذا أظهر القاضي عافية أن العدل لا يتجزأ، وأن أحكام الدين لا تتغير بحسب مكانة الأشخاص أو مناصبهم، وأن هيبة السلطان لا ينبغي أن تدفع القاضي إلى مخالفة الحق.
موقفه من الرشوة واعتزاله القضاء
ومن المواقف التي تُروى عن القاضي عافية بن يزيد، وتكشف عن شدة ورعه وحرصه على نزاهة القضاء، أنه عُرضت عليه خصومة بين رجلين، وكان كل واحد منهما يقدم ما يراه دليلًا على أحقيته، فقرر تأجيل الفصل في القضية حتى يتبين له وجه الحق.
وعلم أحد المتخاصمين أن القاضي يحب الرُّطَب، فأرسل إليه شيئًا منه، وتمكن من الوصول إليه عن طريق حارسه الذي تلقى رشوة ليسمح له بالدخول.
لكن القاضي لم يقبل هذا التصرف، بل طرد الرجل من مجلسه، وعاقب حارسه على خيانته للأمانة، إذ أدرك أن محاولة التأثير على القاضي بالهدايا والرشاوى تفسد نزاهة القضاء، وتهدد مبدأ المساواة بين الخصوم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد خشي القاضي أن يكون ميل النفس إلى الهدية، ولو لم يقبلها، قد ترك أثرًا في نفسه تجاه صاحبها، فآثر الابتعاد عن القضاء، خشية أن يتأثر حكمه بشيء من ذلك.
وتُروى أخبار عن اعتزاله القضاء وطلبه الإعفاء من منصبه، في موقف يعكس شدة محاسبته لنفسه، وحرصه على أن يلقى الله وقد صان أمانته وأبرأ ذمته.
إن هذا الموقف، إن دل على شيء، فإنما يدل على أن نزاهة القاضي لا تقتصر على رفض الرشوة، بل تمتد إلى مراقبة النفس، ومحاسبتها، والابتعاد عن كل ما قد يؤثر في استقلال الحكم وعدالته.
العبرة من القصة
إن سيرة القاضي عافية بن يزيد تذكّرنا بأن العدل أساس استقرار المجتمعات، وأن القضاء أمانة عظيمة لا يجوز أن تتأثر بالمال أو النفوذ أو القرابة أو المكانة الاجتماعية.
كما تعلمنا أن صاحب المبدأ قد يتعرض للخصومة والاتهام، وأن أهل المصالح قد يحاربون من يقف في طريق أطماعهم، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفعه إلى التنازل عن مبادئه أو التخلي عن أداء واجبه.
فما أحوجنا اليوم إلى قضاةٍ لا يخشون في الحق لومة لائم، ومسؤولين يجعلون العدل فوق المصالح، وأصحاب ضمائر يراقبون الله في السر والعلن!
إن النجاح الحقيقي ليس في إرضاء الجميع، وإنما في أداء الأمانة، وإقامة العدل، والثبات على الحق، ولو خالف ذلك أهواء أصحاب النفوذ.
فالحق لا يتغير بتغير الأشخاص، والعدل لا يعرف المجاملة، ومن راقب الله في أمانته، جعل رضا الله غايته، والإنصاف منهجه، والضمير الحي رقيبه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى