
حوار/ سناء سعفان
قال تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ}.. من وحي هذه الآية، تفتح جريدة “الطبعة الأولى” ملفاً إنسانياً وقانونياً شائكاً تحول إلى قضية رأي عام هزت القلوب. ونحن هنا إذ نناقش هذه القضية، فإننا نتوخى أقصى درجات الدقة؛ حيث استقينا معلوماتنا من مركز شرطة أوسيم، ومن واقع لقاءاتنا الميدانية المباشرة مع أسرة الضحية (والده، والدته، إخوته، وأقاربه) الذين يعتصرهم الألم.
في برنامجنا “نور الآية وبصيرة الحكاية”، نسلط الضوء مع فضيلة الدكتور منصور مندور، كبير الأئمة بوزارة الأوقاف، على هذه الجريمة التي راح ضحيتها شاب في مقتبل العمر (17 عاماً)، وقاتله شاب مدرك تماماً لأفعاله، لكنه يتستر خلف مسمى “الأخرس” ظناً منه أن هذا الادعاء سيمنحه صك البراءة أو يخفف عنه وطأة الحساب.
سناء سعفان: هل يغسل الصمت دماء الأبرياء؟ تفاصيل شرعية حاسمة حول محاولات إفلات قاتل أوسيم من حبل المشنقة.. فضيلة الدكتور، نحن أمام واقعة مؤلمة أصبحت قضية رأي عام، والجاني فيها شاب “طبيعي ومدرك” لكل تصرفاته بحسب التحريات، لكنه يلقب بـ “الأخرس” أو يدعي ذلك، وقد ارتكب جريمة قتل وحشية بحق شاب يبلغ من العمر 17 عاماً. كيف ينظر الإسلام إلى هذا النوع من “التزييف” للهروب من القصاص؟
دكتور منصور مندور: أهلاً بكِ أستاذة سناء. يقول الله تعالى: {وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا}. هنا يجب أن نوضح أمراً شرعياً حاسماً: العبرة في الحساب والعقاب هي “العقل والإدراك”. فإذا كان القاتل -كما ذكرتِ- شاباً طبيعياً ويفهم كل شيء، فإن ادعاءه الخرس أو تسميته به لا تسقط عنه القصاص أبداً. الإسلام لا يحمي المجرمين لمجرد إطلاق ألقاب عليهم. هذا القاتل جمع بين جرمين: جرم “القتل العمد” وجرم “التدليس والكذب” على العدالة وعلى الناس.
سناء سعفان: الضحية هنا شاب صغير (17 عاماً)، وقد التقينا بوالدته ووالده وإخوته، ورأينا حجم الفجيعة التي يعيشونها في ريعان شبابه. ما هو وعيد الله لمن يستحل دم هؤلاء الشباب بدعوى أنه مريض أو غير مدرك وهو في الحقيقة “وحش” بلا قلب؟
دكتور منصور مندور: قتل شاب في هذا العمر هو وأد للمستقبل وهدم لبنيان الله في الأرض. يقول الرسول ﷺ: “لَزوالُ الدُّنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مسلمٍ”. أما المحاولة للهروب من العقاب بادعاء المرض أو الخرس، فهي زيادة في الإثم؛ لأنها استخفاف بدم المقتول وبالقانون. الله سبحانه وتعالى هو “العليم بذات الصدور”، والتحايل على البشر لا ينفع أمام قاضي السماء. القاتل هنا ارتكب “غدراً” مضاعفاً بحق شاب لا حول له ولا قوة أمام وحشيته.
سناء سعفان: فضيلة الدكتور، هناك من يساعد هذا القاتل في تثبيت صورة “الأخرس” أو “المريض” عنه لإفلاته من حبل المشنقة.. ما رسالتك لهؤلاء من منظور القرآن والسنة؟
دكتور منصور مندور: قال تعالى: {سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ}. كل من يزور حقيقة، أو يساعد قاتلاً مدركاً على الظهور بمظهر “المستضعف” أو “المريض” لإضاعة حق دم الشاب الضحية، فهو شريك أصيل في الجريمة. الإسلام حرّم “قول الزور” وجعله من الكبائر. هؤلاء يعينون الظالم على ظلمه، ويسهمون في نشر الفوضى في المجتمع. القصاص هو “الحياة” كما قال ربنا {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ}، وتعطيله بالادعاءات الكاذبة هو هدم لأمن المجتمع.
سناء سعفان: فضيلة الدكتور، لننتقل من حالة “أوسيم” إلى المنظور العام؛ ما هي عقوبة “القاتل بغير حق” أو “المتعمد” في الإسلام والقانون؟ وهل هناك أي مخرج لمن استحل نفساً حرمها الله؟
دكتور منصور مندور: شرعاً، القتل العمد عقوبته القصاص، وهو القتل بالقتل، إلا إذا عفا أهل الدم. والقانون الوضعي يتماشى مع هذا بتطبيق عقوبة الإعدام. من المنظور الديني، القاتل المعتمد مطرود من رحمة الله، وعليه غضب من الله ولعنة وأعد له عذاباً عظيماً. لا يوجد مخرج “شرعي” يُسقط الجريمة، فحتى التوبة بينه وبين الله لا تسقط “حق العبد” (الضحية وأهله) في القصاص في الدنيا.
سناء سعفان: “نور الآية” أوضح لنا اليوم أن الحق لا يضيع بالادعاءات، وأن القاتل مهما تدثر بأثواب “العجز” الزائفة، فإن عين الله لا تنام وعدالة الأرض بالمرصاد. نشكر فضيلة الدكتور منصور مندور على هذا التوضيح الفقهي والقيم.



