بريطانيا التي كان لها دور محوري في تمهيد الطريق لقيام إسرائيل في فلسطين، من وعد بلفور إلى الانتداب البريطاني، تجد نفسها اليوم في مواجهة سياسية ودبلوماسية متصاعدة مع تل أبيب.
فبعد الإجراءات البريطانية الأخيرة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، ردت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخاذ إجراءات ضد لندن، بينما طالب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بطرد السفير البريطاني.
وهنا تظهر المفارقة التي تختصر المشهد كله: بريطانيا التي ساهمت يومًا في فتح الطريق أمام قيام إسرائيل، تجد نفسها اليوم في مرمى غضب حكومتها.
وسموتريتش، المعروف بمواقفه المتشددة، يرفع سقف المواجهة مع لندن إلى حد المطالبة بطرد سفيرها، في مشهد يعكس حجم التوتر المتزايد بين الطرفين.
لكن السؤال هنا: لماذا وصلت العلاقة بين بريطانيا وإسرائيل إلى هذه المرحلة؟
الإجابة لا ترتبط بقرار واحد، وإنما بتراكمات سياسية بدأت تتزايد خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ملف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، الذي تعتبره بريطانيا ودول غربية أخرى عقبة أمام حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كما أن الحرب في غزة وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع وضعت الحكومات الغربية أمام ضغوط شعبية وسياسية متزايدة، وأجبرت بعضها على إعادة النظر في طبيعة الدعم غير المشروط لإسرائيل.
ومن وجهة النظر البريطانية، فإن استمرار الاستيطان وتوسعه يهدد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، ولذلك بدأت لندن في الانتقال من مجرد إصدار بيانات الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية مرتبطة بالمستوطنات.
لكن إسرائيل تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا؛ فالحكومة الإسرائيلية ترى أن هذه الإجراءات تمثل تدخلاً وضغطًا خارجيًا على قراراتها السيادية، خصوصًا أن اليمين الإسرائيلي المتشدد يعتبر المستوطنات جزءًا أساسيًا من مشروعه السياسي.
وهنا يأتي موقف سموتريتش ليعكس رؤية الجناح الأكثر تشددًا داخل الحكومة الإسرائيلية، والذي يرفض أي ضغوط دولية يمكن أن تحد من التوسع الاستيطاني أو تدفع إسرائيل نحو تقديم تنازلات في الملف الفلسطيني.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بريطانيا نفسها تجد صعوبة في إدارة هذا الملف؛ فهي من ناحية تريد الحفاظ على علاقاتها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى تحاول الظهور كدولة قادرة على ممارسة ضغط سياسي عندما ترى أن السياسات الإسرائيلية تتعارض مع رؤيتها لحل الدولتين والقانون الدولي.
أي أن لندن لا تريد قطع العلاقة مع تل أبيب، وإنما تريد إعادة ضبطها.
أما إسرائيل، فتريد أن تقول إن العلاقات التاريخية والتحالفات الغربية معها لا تعني قبولها بأي ضغوط سياسية أو اقتصادية، ولذلك جاء الرد على بريطانيا قويًا، بداية من إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وصولًا إلى المطالبات داخل الحكومة الإسرائيلية باتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد لندن.
لكن هل يمكن أن تصل الأمور فعلًا إلى القطيعة؟
ربما لا تكون القطيعة الكاملة هي السيناريو الأقرب، لأن العلاقة بين البلدين لا تقوم على السياسة وحدها، وإنما تمتد إلى مجالات الأمن والاستخبارات والتجارة والتعاون العسكري، وهي مصالح يصعب التخلي عنها بسهولة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الأزمة البريطانية–الإسرائيلية إلى نموذج تتبعه دول غربية أخرى، خاصة إذا استمر ملف الاستيطان والحرب في غزة دون أفق سياسي واضح.
وهنا لا يمكن النظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد خلاف بين دولتين، وإنما باعتبارها جزءًا من تغير أوسع في طبيعة العلاقة بين إسرائيل وبعض حلفائها الغربيين.
فالدول التي كانت لسنوات طويلة تكتفي بانتقاد الاستيطان أصبحت أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية للضغط على الحكومة الإسرائيلية، بينما ترى تل أبيب في ذلك تحولًا خطيرًا في موقف حلفائها التقليديين.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر..
بريطانيا التي لعبت دورًا تاريخيًا في تشكيل الواقع الذي أدى إلى قيام إسرائيل، أصبحت اليوم تواجه حكومة إسرائيلية ترفض ضغوطها، بل وتطالب بطرد سفيرها.
فهل تتوقف الأزمة عند حدود التصعيد الدبلوماسي، أم أن «السحر انقلب على الساحر» بالفعل، وتدخل العلاقات البريطانية–الإسرائيلية مرحلة جديدة من القطيعة والصدام؟
ربما تكون الإجابة مرتبطة بما سيحدث خلال المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن العلاقة بين لندن وتل أبيب لم تعد كما كانت، وأن التاريخ وحده لم يعد كافيًا لحسم الخلافات.
ففي السياسة، لا توجد صداقات دائمة ولا خصومات دائمة، وإنما مصالح تتغير بتغير الظروف.
والسؤال الآن: هل تستطيع بريطانيا وإسرائيل الحفاظ على مصالحهما المشتركة رغم اتساع مساحة الخلاف، أم أن ما يحدث اليوم هو بداية تحول تاريخي جديد في العلاقة بين الطرفين؟