مقالات

الفراغ والانترنت.. الخطر الداهم

كتب: أشرف سركيس

افتح «فيسبوك» أو «تيك توك» أو «إنستجرام»، وستجد مشهدًا يستحق التوقف أمامه ساعات طويلة تُستهلك في المشاهدة والتعليق والجدال ومطاردة «الترند»، وكأن جزءًا من حياتنا انتقل بالكامل من الشارع والعمل والانتاج  إلى شاشة صغيرة نحملها في أيدينا طوال اليوم.

هل اصبحت ثقافة الشهرة بلا إنجاز، والمال السريع بلا قيمة، والرأي بلا معرفة هى حلم كل شاب وفتاة كبير وصغير!!؟؟ 

وأصبح كل شخص قادرًا على فتح كاميرا هاتفه وتنصيب نفسه خبيرًا في كل شيء. يفتي في الدين، ويحلل الاقتصاد، ويشخّص الأمراض، ويناقش السياسة، ويحاكم الفن، ويقيّم الناس، ثم ينتظر آلاف «اللايكات» وملايين المشاهدات.

 

ولم يعد المهم دائمًا ماذا تقول، بل كم شخصًا شاهدك! ومن هنا بدأت الكارثة.

أصبح الصراخ أعلى من المعرفة، والإثارة أسرع انتشارًا من الحقيقة، والفضيحة أكثر جذبًا من الإنجاز. البعض يجلس على «الكنبة» ليحاكم مجتمعًا كاملًا؛ يسب هذا، ويتنمر على ذاك، ويخوّن ثالثًا، وقد يصل الأمر إلى التكفير والتشهير وانتهاك خصوصيات الناس، وكأن وجود شاشة بينه وبين الآخرين يمنحه حصانة من الأخلاق والمسؤولية.

والأخطر أن أجيالًا صغيرة تدخل هذا العالم بلا رقابة أسرية كافية، فتتعلم من «الترند» أكثر مما تتعلم من الأسرة والمدرسة، وتبحث عن القدوة بين مشاهير المنصات، بصرف النظر عما يقدمونه من محتوى

ثم ظهرت قوة أكثر خطورة اللجان الإلكترونية والحسابات الوهمية تقود الملايين الى اتجاه مغين وحسابات  تستطيع أن ترفع شخصًا إلى السماء صباحًا وتهدمه مساءً، وتكرر فكرة آلاف المرات حتى يعتقد المتابع أنها رأي عام، بينما قد تكون في حقيقتها حملة منظمة لا تمثل الشارع ولا المجتمع.

وهكذا أصبح من الصعب أحيانًا أن نعرف: هل ما نراه رأيًا عامًا حقيقيًا، أم «ترندًا» مصنوعًا؟

ولم تتوقف المسألة عند العالم الافتراضي. خلاف يبدأ بتعليق قد ينتهي بمشاجرة، وشائعة قد تدمر سمعة إنسان، وفيديو مبتور قد يشعل أزمة، وكلمة مكتوبة في ثوانٍ قد تترك أثرًا يستمر سنوات..

ونحن الان نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا مؤلمًا

كم ساعة من أعمارنا نمنحها يوميًا لشاشات هواتفنا؟ وماذا أخذنا مقابلها؟ فالمجتمعات لا تتقدم بعدد «اللايكات»، ولا تُبنى بالترندات، ولا يصنع مستقبلها شخص يقضي يومه في مراقبة حياة الآخرين والتعليق عليها.

الأمم تُبنى بالعلم والعمل والقراءة والإنتاج.. لا بالجلوس على الكنبة وانتظار الترند القادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى