مقالات

أمريكا والصين تتسابقان على AI مصر.. من يملك البنية التحتية يملك المستقبل

بقلم/ صفاء دعبس

عندما تجمع القاهرة الكبار تصل الرسالة للعالم أجمع من النيل إلى بكين، جسور تمتد بين حضارتين عظيمتين، واليوم تفتح هذه الشراكة أبوابا جديدة نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لتؤكد أن مصر لا تنظر إلى المستقبل من بعيد، بل تسعى لأن تكون جزءًا من صناعته.

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين أمريكا والصين مجرد منافسة على من يصنع البرنامج الأذكي أو الشريحة الأقوى، بل أصبح سباقا على من يملك البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي يعمل.

 وفي مصر بدأت ملامح هذا التنافس تظهر، بعدما تقدمت شركة «هواوي» الصينية بعرض لإنشاء بنية تحتية متخصصة للذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن لتقديم عرض منافس بمشاركة شركات تكنولوجية أمريكية كبرى.

وهنا تظهر أهمية مصر، ليس فقط كسوق كبيرة، ولكن كموقع مهم يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما يمكن أن يجعلها مركزا مهما للذكاء الاصطناعي في المنطقة.

ويأتي هذا التنافس في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الصينية تقاربا متزايدا، وهو ما عكسه الاستقبال الرسمي الحافل للرئيس الصيني شي جين بينج خلال زيارته لمصر، وما صاحبها من تأكيد على تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والاستثمار. 

وهو ما يجعل الحضور الصيني في ملف الذكاء الاصطناعي المصري جزءًا من شراكة أوسع تتجاوز مجرد مشروع تكنولوجي واحد.

لكن ما المقصود بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ ببساطة، هي مراكز البيانات، وأجهزة الحاسب القوية، والشرائح، والشبكات، والتخزين، والطاقة، والحماية الإلكترونية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي لكي يعمل بكفاءة.

 والأهم أن وجود هذه البنية في مصر يمكن أن يحقق فوائد تتجاوز مجرد إنشاء مبان وأجهزة؛ فمصر يمكن أن تحصل على خبرات جديدة في تشغيل مراكز البيانات، وتدريب مهندسين ومتخصصين، ونقل جزء من المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير قدرات الجامعات والباحثين، ومساعدة الشركات الناشئة على استخدام قدرات حوسبة قوية كانت مكلفة أو صعبة الوصول إليها.

كما يمكن أن تفتح هذه المشروعات الباب أمام وظائف جديدة في مجالات البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإدارة مراكز البيانات، وتساعد في تطوير حلول ذكاء اصطناعي تخدم احتياجات مصر والمنطقة العربية والأفريقية.

وهنا تصبح الاستفادة الحقيقية أكبر من مجرد قيمة الاستثمار؛ لأن مصر يمكن أن تبني مع الوقت كوادر وخبرات محلية قادرة على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها بدلا من الاعتماد الكامل على الخبرات القادمة من الخارج.

وهنا يجب ألا يكون السؤال المصري فقط: من سيبني المشروع؟ وإنما أيضًا: ماذا ستتعلم مصر منه؟ وماذا سيبقى لديها بعد تنفيذه؟ فنجاح أي مشروع لن يقاس بعدد الخوادم أو حجم الاستثمار فقط، وإنما بقدرته على بناء كوادر مصرية تستطيع تشغيل هذه التكنولوجيا وتطويرها مستقبلا.

وفي رأيي، فإن أهمية هذا الملف لا تتوقف عند معرفة من سيقدم العرض الأفضل لمصر، و إنما في قدرة الدولة على تحويل هذا التنافس الدولي إلى مكسب حقيقي.

والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليست مجرد أجهزة ومراكز بيانات، بل هي أساس لصناعة جديدة يمكن أن توفر لمصر المعرفة والخبرات وفرص العمل، وتمنح شبابها وشركاتها و جامعاتها أدوات أقوى للمنافسة.

ولذلك فإن دخول أمريكا والصين إلى هذا السباق ليس مصدر قلق بقدر ما هو فرصة، بشرط أن يكون لمصر قرارها الواضح في اختيار ما يناسبها، وأن يكون نقل التكنولوجيا وتدريب المصريين وبناء القدرات المحلية وحماية البيانات جزءًا أساسيا من أي اتفاق.

وأخيراً.. المستقبل لن يكون فقط لمن يملك التكنولوجيا، و إنما لمن يملك القدرة على استخدامها و بناءها وتطويرها ومصر لديها فرصة حقيقية اليوم لتثبت أن «أم الدنيا» قادرة أيضًا على أن تكون «قد الدنيا» في صناعة مستقبل الذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى