لدي سؤال أرهقني طويلًا، وربما أرهق العالم كله: إذا كانت الحرب لا تمنح سلامًا، ولا تصنع أمانًا، ولا تحمي اقتصادًا، فمن المستفيد من استمرارها؟ وإلى متى سيظل ملايين البشر رهائن لقرار واشنطن وطهران؟
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مواجهة يمكن النظر إليها باعتبارها صراعًا محدودًا بين دولتين؛ فكلما طال أمدها اتسعت دائرتها، وانتقلت فاتورتها من ساحات القتال إلى موائد الأسر وميزانيات الدول وأسواق الطاقة والتجارة العالمية. وبعد أشهر من بداية المواجهة، لا تزال الضربات المتبادلة والتهديدات بالتصعيد مستمرة، بينما تعود أسعار النفط إلى الارتفاع، ويقترب خام برنت من حاجز المائة دولار للبرميل، في مؤشر جديد على أن العالم بأسره يدفع ثمن أزمة لا يملك قرار إشعالها أو إطفائها.
المفارقة أن طرفي الحرب يتحدثان عن الأمن والمصالح الوطنية، لكن المواطن العادي في دول بعيدة عن الصراع هو الذي يشعر بجزء من التكلفة، في صورة وقود أغلى، وأسعار نقل وشحن أعلى، وضغوط جديدة على الغذاء والاقتصاد.
وحتى داخل إيران نفسها، تحولت المعركة الاقتصادية إلى جزء أساسي من الصراع، مع استمرار العقوبات والحصار على صادرات النفط وتراجع القدرة على تحمل الضغوط، بينما تؤكد طهران أنها لن تتراجع تحت الضغط الأمريكي.
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يواجهون تكلفة عسكرية وسياسية فقط، بل يخاطرون أيضًا بإطالة أزمة يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية، وتفتح أبوابًا جديدة لاضطراب اقتصادي وأمني يصعب احتواؤه.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: من يستطيع تحمل الحرب لفترة أطول؟ بل: إلى متى يستطيع العالم تحمل نتائجها؟ فالحرب التي بدأت باعتبارات أمنية وسياسية أصبحت تهدد استقرار الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، ومنظمة الأغذية العالمية حذرت من أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطراب سلاسل التوريد يمكن أن يزيد الضغوط على الفئات الأكثر ضعفًا حول العالم.
ومع كل يوم جديد من التصعيد، تضيق مساحة الحل السياسي وتتسع مساحة الخسائر، لتصبح الأولوية الحقيقية ليست تحقيق انتصار عسكري جديد، وإنما الوصول إلى تسوية توقف نزيفًا لم يعد يدفع ثمنه المتحاربون وحدهم.
وأخيرًا.. فالحرب لا تُقاس بمن يربح جولة، بل بحجم ما تتركه من خراب وخسائر في أرواح الشعوب واقتصاداتها وأمن العالم. ويبقى السلام هو الانتصار الوحيد الذي لا يدفع ثمنه الأبرياء.. فإلى متى يظل العالم رهينة حربٍ لا يملك قرار إنهائها؟