
بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن
ونحن في رحاب ذكرى العاشر من رمضان المباركة، أود أن أرسل رسالة إلى بني وطني من أبناء جيل العبور العظيم وما تلاه من أجيال، الذين ولدوا على أرضنا الحرة والطاهرة من دنس أي احتلال.
فبعد التحية التي أرسلتها لكم منذ أكثر من نصف قرن، والسلام الذي صنعته من أجلكم بجهد سنوات من الاستنزاف، أود أن أعرفكم بنفسي حيث إنكم لا تعرفوني، وفي احتفالكم بذكرى الانتصار لا تذكروني، رغم أنني صانع هذا الانتصار العظيم، ومحقق تلك المعجزة الفريدة، فقد كنت أول من عبر القناة متحدياً للمستحيل، ومحطماً لقدرات العدو الخرافية، كانت قدماي أول ما لامس أرض الفيروز الأسيرة، لأكسر قيدها بسلاح إيماني، وأزلزلها بتكبيراتي تحت أقدام الغاصبين، وأرويها بسلسبيل عشقي، وأتوجها بالعلم الشامخ دائماً، وأقلدها بقلادة النصر المصنوعة بدقات قلبي المحترق اشتياقاً.
فأنا ابن العامل والفلاح ملح الأرض، الذين حملوا الوطن على أكتافهم، وشيدوا صرحه بسواعدهم، ورووا زهرته بجهدهم، حيث كان أول درس تعلمته في مدرستهم أن العمل من أجل الوطن عبادة، وأن التضحية في سبيله شرف، وهذا ما حفظته عن ظهر قلب، وأصبح دستوراً لحياتي، ولهذا عندما حانت ساعة الحسم لم أتردد لحظة واحدة وأقبلت بكل جسارة لألقي بنفسي في نيران المعركة حتى أطفئ ما بداخلي من نيران الغضب المشعلة منذ سنوات.
أنا ابن المرأة المكافحة، والمربية الفاضلة، التي كانت تنتظرني كل يوم عند أعتاب منزلنا البسيط في قريتنا الصغيرة، سائلة الله في كل صلاة أن أعود سالماً غانماً، وقد استجاب الله سبحانه وجاءت السلامة والغنيمة مع المجد الفريد وحياة الخلود، ولكني لم أعد لها حيث فضلت الارتماء في حضن تراب الوطن الغالي عن الارتماء في حضن أمي الحبيبة، فتراب الوطن أنفس الأشياء، والرقود بين أحشائه وفي سبيله أغلى الأمنيات، ودموع أمي مهما كانت غالية فدموع مصر أغلى.
أنا فارس أحلام حبيبتي الجميلة، التي كلما كنت ألمحها من خلف نافذة بيتها تشرق الشمس، وأرى في ابتسامتها ابتسامة الدنيا، فكم حلمنا معاً بالبيت الصغير والحياة الهادئة، وكم من وعود قطعها كلٌ منا للآخر. وعدتني بالانتظار مهما طالت الأيام، ووعدتها بالعودة مهما كانت الصعاب، ولكن مصر، أجمل الجميلات وأرق الفاتنات، كانت الأحق بي، وكان وعدي لها أحق الوعود بالوفاء، وكانت عودتي لها لا تُقارن بعودتي لأي من كان، ولهذا لم أتركها تنتظرني طويلاً، ولبَّيت النداء بأقصى سرعة، ودون الالتفات لأي شيء كان، أو التفكير في أية أحلام، وقررت أن إهدائي ثوب الانتصار لبلادي أعظم من إهدائي ثوب الزفاف لحبيبتي.
أنا ربٌ لأسرتي البسيطة، وأبٌ لأطفالي الصغار، كان ابني ما زال في رحم أمه لم ير النور بعد، وكانت ابنتي ذات الجدائل الذهبية والوجه البريء تبكي وتتشبث بيدي كلما جاء وقت الرحيل، ولا تتركني إلا عندما أعدها بشراء الحلوى والهدايا. إنهم فلذات كبدي، ونور عيني، وأغلى من في حياتي، ولم يكن من السهل أبداً تركهم في الدنيا بمفردهم، ولكني أيقنت أن أعظم ما يمكن أن أقدمه لابني هو أن يولد على أرض منتصرة وفي وطن شامخ، وأن أغلى ما يمكن أن أهديه لابنتي هو الفخر والكبرياء.
فأنا من يُطلقون عليه الجندي المجهول، لم يجدوا اسمي في السجلات الرسمية رغم أنه مكتوب بدمي على حبات رمل سيناء، ومنقوش بحد سلاحي على صخورها، ولكن لا أحد يجيد قراءته. فعليكم يا بني وطني أن تدركوا أن للنصر العظيم ثمناً غالياً دُفع من روح ودم إنسان كان وما زال وسيظل في الظل ليهديكم وسام الحرية وتاج المجد.
وأخيراً أوصيكم بالحفاظ على هديتي النفسية لكم، فإياكم أن تعرضوها في مزاد الأوغاد، أو تبيعوها في سوق النخاسة، فهديتي أغلى بكثير من أن تُستبدل بسراب السلام مع عدو لا يعترف بالسلام.
وخير الختام السلام لا الاستسلام.
المرسل: جندي مجهول.



