تقارير

تقرير | من «نسور الحضارة» إلى سماء العلمين.. لماذا تراقب إسرائيل التقارب الجوي بين مصر والصين؟

صفاء دعبس

في سماء العلمين، ينطلق اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء في نسخته الثانية، بمشاركة دولية واسعة تشمل أكثر من 50 دولة وأكثر من 100 طائرة، في حدث تستضيفه مصر على مدار ثلاثة أيام بمطار العلمين الدولي.

ويأتي افتتاح المعرض بعد أيام قليلة من ختام التدريب الجوي المصري–الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، في توقيت يمنح الحضور العسكري الصيني في مصر دلالة تتجاوز مجرد المشاركة في معرض للطيران. فالقاهرة تستضيف طائرات عسكرية صينية متنوعة، بينها مقاتلات وطائرات إنذار مبكر وتحكم جوي وطائرات للتزود بالوقود في الجو ومروحيات، بما يعكس المستوى المتنامي للعلاقات العسكرية بين البلدين.

قبل أن تصل أصداء معرض العلمين إلى مدرجاته، كانت الأنظار قد اتجهت إلى المناورات الجوية المصرية–الصينية «نسور الحضارة 2026»، التي اختتمت فعالياتها في 7 سبتمبر. وشهد التدريب مشاركة مقاتلات متعددة المهام من الجانبين، وتنفيذ طلعات للتدريب على مهاجمة الأهداف والدفاع عن الأهداف الحيوية، إلى جانب التدريب على التزود بالوقود في الجو وإدارة العمليات الجوية المشتركة، وتقول وزارة الدفاع المصرية إن التدريب أظهر مستوى مرتفعًا من التنسيق والاحتراف بين القوات الجوية المصرية والصينية.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام لم يكن مجرد تنفيذ تدريبات جوية مشتركة، بل طبيعة المنصات المشاركة وما تعنيه بالنسبة إلى تبادل الخبرات.

فقد شهدت نسخة 2026 ظهور مقاتلات صينية من طراز J-16 في مصر، إلى جانب مقاتلات Rafale المصرية، كما برزت مشاركة طائرة التزود بالوقود الصينية YY-20A. 

ويكتسب التدريب على تزويد المقاتلات بالوقود جوًا أهمية خاصة، باعتباره أحد عناصر رفع المدى والقدرة على تنفيذ عمليات جوية أكثر تعقيداً.

 

لماذا تنظر إسرائيل إلى المشهد باهتمام؟

المسألة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق فقط بوجود طائرات صينية في مصر، و إنما بما يمكن أن يعنيه تعميق التعاون العسكري بين القاهرة وبكين على المدى الطويل.

 

 فمصر دولة محورية في المنطقة، وجيشها يمتلك منظومة تسليح متنوعة تجمع بين مصادر غربية وروسية وصينية، بينما يمنح التعاون مع الصين القاهرة مساحة إضافية لتنويع خياراتها العسكرية والتكنولوجية.

وقد أشارت تغطيات وتحليلات مرتبطة بالمشهد الأمني الإسرائيلي إلى أن المناورات المصرية–الصينية تستحق المتابعة، خصوصًا مع ظهور J-16 الصينية إلى جانب Rafale المصرية.

 

 وتزداد أهمية الأمر بالنسبة إلى تل أبيب لأن التعاون لا يقتصر على شراء معدات، بل يشمل التدريب المشترك وتبادل الخبرات والتنسيق في العمليات الجوية. 

 

وهذا تحديدا هو النوع من التطورات الذي تراقبه المؤسسات العسكرية في المنطقة، لأنه قد ينعكس مستقبلا على طبيعة القدرات الجوية المصرية.

من المناورة إلى المعرض.. الرسالة الأوسع

الأكثر لفتًا أن انتهاء «نسور الحضارة» جاء قبل افتتاح معرض العلمين مباشرة.

ولا توجد أدلة كافية للقول إن التوقيت جرى ترتيبه عمدًا كرسالة سياسية، لكن النتيجة العملية واضحة: الصور والمشاهد التي ظهرت خلال التدريب المصري–الصيني سبقت الحضور الصيني في واحد من أبرز تجمعات الطيران والدفاع والفضاء في المنطقة.

وتشارك الصين في معرض العلمين بطائرات عسكرية متعددة الأنواع، بينها مقاتلات وطائرات إنذار مبكر وتحكم جوي وطائرات تزود بالوقود ومروحيات. 

 

وهذا التنوع يجعل الحضور الصيني مختلفًا عن مشاركة تجارية تقليدية لشركات صناعة الطيران؛ إذ تظهر الصين في المشهد المصري من خلال صناعات دفاعية وقدرات جوية فعلية.

العلمين.. منصة جديدة للتنافس على سوق السلاح

المعرض نفسه لا يقتصر على الاستعراض الجوي، بل تقدمه مصر باعتباره منصة لعرض أحدث تقنيات الطيران والدفاع والفضاء، ولفتح آفاق التعاون مع الشركات والمؤسسات الدولية.

ومع مشاركة أكثر من 250 عارضًا من نحو 50 دولة، يصبح العلمين نقطة التقاء بين كبار المصنعين وصناع القرار العسكري والتكنولوجي، الأمر الذي يمنح المشاركة الصينية أهمية إضافية، خصوصًا في ظل سعي بكين إلى توسيع حضورها في أسواق الطيران والدفاع والفضاء.

ومن هنا تأتي أهمية الحضور الصيني؛ فبكين لا تدخل سوق المنطقة فقط من بوابة السلاح التقليدي، وإنما تحاول توسيع حضورها في الطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. ويتزامن ذلك مع تنامي العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، بما في ذلك التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية.

 

مصر بين الشرق والغرب

القاهرة، في المقابل، لا تبدو وكأنها تستبدل تحالفًا بآخر، بل تتحرك وفق سياسة تنويع الشراكات والحفاظ على مساحة واسعة من الخيارات. فمصر لا تزال شريكًا عسكريًا مهمًا للولايات المتحدة، وتمتلك مقاتلات وأنظمة دفاع غربية متطورة، وفي الوقت نفسه توسع علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى.

 

وهذا التنوع هو الذي يمنح التطور الحالي أهميته. فعندما تحلق Rafale الفرنسية الصنع بجوار J-16 الصينية، ثم تشارك طائرة صينية للتزود بالوقود في تدريب مع مقاتلات مصرية، فإن المشهد يعكس قدرة القاهرة على الجمع بين مدارس تسليح مختلفة والعمل معها في إطار تدريبات مشتركة.

ما الذي تراقبه إسرائيل تحديدًا؟

الأدق هنا الحديث عن المراقبة والاهتمام الإسرائيلي أكثر من الحديث عن «خوف» أو «تهديد مباشر»، فالتغطيات والتحليلات الإسرائيلية السابقة بشأن التعاون العسكري المصري–الصيني تعتبر هذه المناورات في حد ذاتها تهديدًا وشيكًا لإسرائيل باعتبارها تطورًا يستحق المتابعة.

السبب أن الخطر المحتمل، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يرتبط بمقاتلة واحدة أو مناورة واحدة، وإنما بالمسار إذا استمر لسنوات: مزيد من التدريب، ومزيد من تبادل الخبرات، ومزيد من التكنولوجيا، وربما صفقات مستقبلية تشمل مقاتلات أو رادارات أو صواريخ أو أنظمة حرب إلكترونية. عندها يمكن أن يتحول التعاون من نشاط تدريبي إلى شراكة عسكرية–تكنولوجية أكثر عمقًا.

وهنا تكمن حساسية المشهد؛ فإسرائيل بنت جزءًا مهمًا من تفوقها العسكري على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة والوعي بالمجال الجوي والتفوق النوعي.

وأي توسع في قدرات دولة كبيرة ومجاورة مثل مصر يستحق بطبيعة الحال متابعة دقيقة، حتى لو لم يكن موجهًا ضد إسرائيل.

العلمين يختبر المستقبل

لذلك تبدو قصة «نسور الحضارة» ومعرض العلمين أكبر من مجرد حدثين منفصلين. الأول أظهر مستوى جديدًا من التعاون العملياتي بين القوات الجوية المصرية والصينية، والثاني يوفر منصة دولية لعرض التكنولوجيا والطائرات والصناعات الدفاعية أمام صناع القرار والمختصين.

وبين سماء العلمين ومجريات «نسور الحضارة»، ترسل القاهرة رسالة واضحة بأنها لا تريد أن تكون مقيدة بمصدر واحد للتكنولوجيا العسكرية، بينما ترسل بكين رسالة أخرى بأنها مستعدة لتوسيع حضورها الدفاعي والجوي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.

أما تل أبيب، فستظل تراقب هذا المسار؛ ليس لأن مقاتلة صينية ظهرت في سماء مصر فحسب، وإنما لأن السؤال الأهم هو: إلى أين يمكن أن يصل التعاون المصري–الصيني خلال السنوات المقبلة؟

وهذا هو السؤال الذي يجعل سماء العلمين اليوم محط أنظار تتجاوز حدود المعرض نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى