من ذكريات حرب أكتوبر 73 المقاتل ممدوح سرور (أسد المظلات) صاحب 5 شهادات الاستشهاد

د. احمد على عطية الله
سعدت و شرفت بصداقتى لاسد المظلات صاحب 5 شهادات استشهاد فى حرب أكتوبر المجيدة البطل ممدوح سرور
قد نكون قد سمعنا عن بطل في الحرب استخرجت له شهادة فاجأ وحدته وأسرته بعودته بعد أن كانوا قد تلقوا العزاء في استشهاده، وأنا شخصيًا كتبت عن بطل استخرجت له شهادتي استشهاد خلال حرب أكتوبر المجيدة من قوات الصاعقة المصرية.. وكانت المفاجأة الكبرى أن ألتقي ببطل ذي خمس شهادات استشهاد ثلاثة مكتوبة واثنتان شفويتان.. فكان من الضروري أن نتتبع قصته المليئة بصور التضحية والبطولة والفداء لاسيما وأن قائد كتيبته قد أطلق عليه لقب “أسد المظلات” وطلب من زملائه بالوحدة ألا ينادونه سوى بهذا اللقب فقط..فما هي حكايته؟
اسمه ممدوح سرور أبو هاشم.. ولد بأحد الأحياء الشعبية بمدينة الجيزة في 17 أكتوبر 1952.. التحق بمعهد التربية الرياضية بالمعادي، وعقب تخرجه منه بعد 3 سنوات اتفق مع زملائه من داخل المعهد ممن يفيضون بالحماسة وحب الوطن مثله على التطوع بالقوات المسلحة ليساهموا في تحقيق النصر واسترداد الأرض والكرامة لمصر والأخذ بالثأر..عما حدث فى 67
ولكن اللياقة العالية التي أصقلها وجوده بمعهد التربية الرياضية جعلت أولى أهدافه الالتحاق بسلاح الصاعقة أو المظلات.. وبالفعل التحق الشاب عام 1970بمركز تدريب القوات الخاصة بعد ضم سلاحي الصاعقة والمظلات تحت قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي وكان مقر مركز التدريب في ذلك الوقت بمنطقة بالعامرية بعد استهداف موقع مدرسة الصاعقة بإنشاص لغارات مكثفة من طيران العدو بعدما لاقوه من عمليات قوات الصاعقة خلف خطوطهم..
بعد أن تلقى عدة فرق شاقة منها فرقة معلمي الصاعقة, وفرقة صاعقة راقية الفرقة 148 تم توزيعه على سلاح المظلات وكان عمره لا يتعدى 18 عامًا فانضم إلى إحدى الكتائب بمنطقة إنشاص تحت قيادة اللواء أركان حرب عاطف منصف ابن مدينة السويس.. وهناك تلقى ممدوح جميع فرق المظلات والاستطلاع والاقتحام الجوي وكانت تلك الكتيبة مصنفة على أنها الكتيبة الأولى بين كتائب المظلات ولا تقبل في صفوفها إلا المميزين.
ظل ممدوح في تدريبات مستمرة في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973. كان تدريبهم الأساسي على المهمة التي ستوكل لهم عند بدء الحرب وهي الإسقاط بمنطقة الممرات لمنع احتياطي العدو القادم من عمق سيناء في اتجاه القناة والتصدي له والاحتفاظ والتشبث بالأرض حتى وصول الجيوش الميدانية.. وكان من ضمن تدريبات تلك الكتيبة استخدام أسلحة وذخائر كل من الجيش المصري والجيش الإسرائيلي تحسبًا لنفاد ذخيرتهم أثناء المعركة فيتمكنوا من استخدام الأسلحة الإسرائيلية التي وقعت بحوزتهم أثناء المعركة.
وقبيل حرب أكتوبر 1973 كان وقتها ضمن تشكيل تابع لأحد ألوية المظلات الذي يقوده اللواء أركان حرب إسماعيل عزمي أسطورة سلاح المظلات.
وما لبثت أن اندلعت حرب السادس من أكتوبر ووحوش المظلات على أهبة الاستعداد للتحرك في أية لحظة.. شاهد سرور مع زملائه الطائرات المقاتلة المصرية متجهة شرقًا أحصوا منها حوالي 60 طائرة كانت محملة بالذخائر والصواريخ بصورة مختلفة عن ذي قبل.. وتأكد لهم أخبار بدء المعركة.. وبدأوا يسألون قادتهم متعجلين بدء المشاركة وطمأنهم قادتهم على أن دورهم قادم والجميع يمني نفسه بالهبوط في عمق سيناء بمنطقة الممرات ليؤدوا ما تدربوا عليه.. ومر يوم السادس من أكتوبر والسابع والثامن.. ولكن دور سرور ورفاقه لم يظهر بوضوح إلا عندما وصلت أخبار ليلة 13 -14 أكتوبر عن تسلل لبعض مدرعات العدو إلى غرب القناة بمنطقة الثغرة.
وهنا بدأت لحظات البطولة والفداء لبطلنا ممدوح سرور الذي تحرك ضمن تشكيل كتيبته مكلفين بدخول منطقة سرابيوم بضواحي الإسماعيلية يوم 16 أكتوبر للقضاء على تشكيل من 7 دبابات للعدو قيل أنها تسللت من الشرق للغرب في منطقة الثغرة وكانت تعتبر مهمة بسيطة جدًا لرجال المظلات يمكن أن ينهونها في دقائق معدودة، سارت كتيبة المظلات حوالي 22 كيلو متر في اتجاه الضفة الغربية للقناة للوصول إلى دبابات العدو وكلف قائد السرية الثانية النقيب محمد عبد الحي صلاح البطل ممدوح بقيادة مجموعة استطلاع تقترب لأقرب نقطة من منطقة الأشجار لاكتشاف العدو فوجد مدرعات كثيفة للعدو تكمن بمنطقة أشجار فواكه وترع ومصارف
وفي حوالي التاسعة من مساء يوم 16 أكتوبر اصطدام كتيبة المظلات المصرية بقيادة الضابط البطل قائد الكتيبة كان المقدم عاطف محمد عبده منصف بمجموعة عمليات إسرائيلية مكونة من لوائي دبابات ومشاة ميكانيكي فضلًا عن كتيبة مظلات أي أن عدد دبابات العدو الموجودة بمزارع شجرية يزيد عن عدد الأفراد من مقاتلي كتيبة المظلات المصرية.. وكان القرار الصائب من قائد الكتيبة المصرية البطل بالتراجع بقواته للاحتماء بمنطقة الساتر ترابي ثم إعادة توزيع المهام وإبلاغ القيادة بحقيقة الأمر، وكانت خطة القائد المصري اجتذاب الدبابات الإسرائيلية من المنطقة الشجرية التي تحتمي بها إلى منطقة مكشوفة ليسهل اقتناصها.. وأثناء ما كان قائد الكتيبة يكلف ثلاثة متطوعين من رجاله لهذه المهمة الاستشهادية لاجتذاب دبابات العدو للمنطقة المكشوفة وذلك بإلقاء القنابل اليدوية عليها ثم العودة بسرعة كبيرة لتكون في متناول الأسلحة المضادة للدبابات بالكتيبة المصرية كان البطل ممدوح سرور سباقًا لتنفيذ المهمة بمفرده وهو المتشوق للقاء العدو وتلقينه درسًا لا ينساه.. قام ممدوح سرور بلف ثلاثة قوايش مثبت بها 18قنبلة يدوية حول وسطه وبطنه وصدره وانطلق في اتجاه المنطقة الشجرية وباغت دبابات العدو بإلقاء القنابل اليدوية في فتحات أبراجها ومزاغل السائق متنقلًا من فوق دبابة لأخرى بسرعة كبيرة وبدأت القنابل تنفجر وأصوات الانفجار تبلغ كتيبة المظلات المصرية قبل أن ينتهي القائد المصري من تلقين رجاله الثلاثة مهامهم
وعندما أفاقت الدبابات الإسرائيلية من صدمتها بعدما تكبدته من خسائر بلغت 6 دبابات ومجنزرتين بدأت في مطاردة هذا الجريء الجسور.. وبدأ سرور في الركض خارجًا من المنطقة الشجرية متجنبًا جنازير الدبابات المطاردة محتميًا بما في طريقه من حفر ومرتفعات ومنخفضات طبيعية لتجنب دانات العدو وطلقات رشاشاته.. وهنا أرسل قائد الكتيبة اثنين من زملاء سرور لمعاونته في تشتيت انتباه دبابات العدو.. وبالفعل٦ تمكن أحد زملائه من حمايته الشهيد البطل عريف مجند أحمد عبد الدسوقي من القليوبية الذي توجه لأقرب دبابة تحاول دهس ممدوح سرور أسفل جنزيرها ولم يبقَ بينه وبينها سوى عدة أمتار فقفز داخل برج الدبابة مفجرًا نفسه في طاقمها مفتديًا زميله البطل ممدوح سرور.. رصد قناصو الدبابات من كتيبة المظلات المصرية حوالي 30 مجنزة إسرائيلية خرجت من المنطقة الشجرية في مطاردة البطل ممدوح سرور فتمكنوا من تدمير 9 دبابات للعدو قبل أن تتمكن باقي الدبابات الإسرائيلية من الفرار والعودة للاحتماء بالمنطقة الشجرية.
ونظرًا لتحرك ممدوح سرور بدون أوامر فكان واجبًا أن يتلقى عقوبة ميدانية من قائد سريته محمد عبد الحي صلاح بعد مراجعة قائد الكتيبة.. نظر قائد الكتيبة إلى ممدوح بحسم بعدما علم ما قام به من قائده قائلًا:
أوعى تشتغل تاني بدون أوامر..
وافق على اعتماد العقوبة وكانت حرمان يومين من رصيد الأجازات (وبالطبع لم تكن هناك أجازات خلال المعركة) واشترط قائد الكتيبة أن يطلق على ممدوح سرور لقب (أسد المظلات) منذ هذه اللحظة ولا يناديه أحد إلا بهذا اللقب.. وقد صدق على هذا اللقب أيضًا قائد الجيش الثاني ويتذكر أنه تم إهداؤه كيس توجيه معنوي يحتوي على معجون أسنان.
وتستمر بطولة وتضحية البطل خلال أيام المعركة والمسجلة بكتابى نجوم فى سماء الوطن
وصورتى مع البطل وحفيدته بسمة عند زيارتي بمقر جمعية أصدقاء المحارب
وتفخر جمعية أصدقاء المحارب للتنمية أن يكون هذا البطل ضمن أعضائها ويحمل عضوية رقم (122)



