من ابطال ملحمة جزيرة شدوان المقاتل الشاعر ابراهيم مطراش
د. أحمد على عطية الله
سعدت وشرفت بصداقة بطل الصاعقة البحرية على جزيرة شدوان والشاعر الغنائى المعتمد بإذاعة الإسكندرية ابراهيم مطراش ( رحمه الله )
قد تكون أحداث معركة مهمة خاضها المقاتل مهما طالت السنون بينه وبينها عبارة عن ذكرى متوهجة في ذاكرته يستدعيها أو تستدعي هي نفسها وقتما تشاء.. ولكن ذكرى معركة شدوان بالنسبة لهذا المقاتل فقد قفزت من الذاكرة لتتجسد لديه على أرض الواقع.. لقد حول هذا البطل حجرة كاملة من منزله إلى جزء من جزيرة شدوان عندما زين جدران الحجرة بلون المياه الزرقاء ونشر عليها شبكة صيد وزين الجدران بأنواع من القواقع ومجسمات لأسماك بحرية كالتي كانت تعيش في المياه حول الجزيرة بل زينها برمال من الجزيرة حتى كريستال الفنار الذي تحطم أثناء الاشتباكات والقصف الجوي للجزيرة احتفظ به واستخدمه في تشكيل هذه اللوحة الجميلة.
الشاعر الغنائي إبراهيم مطراش مواليد 26/6/1949الإسكندرية حي المنشية حاصل على بطولة الناشئين في الملاكمة ويقول البطل
جُنِّدْتُ عام 1969 بالقوات البحرية أخذت فرقة إشارة وإنذار، أخذت فرقة صاعقة بحرية يسمونها فرقه انتحارية وبعدها أخذت فرقة غطس وهي الضفادع البشرية ثم التحقت بجزيرة شدوان في محافظة البحر الأحمر في الفترة من سنة 1970 حتى سنة 1972 وكان الإسرائيليون يشنون علينا الغارات فوق الجزيرة عن طريق الجو بالطائرات والبحر بلنشات حربية وزوارق مطاطية وكنت وقتها أقدم مجند وكنت قائد الجزيرة وكان عدد 8 أفراد صاعقة بحرية وكان معنا عدد 3 أفراد مدنيين من الموانئ والمنائر وكانوا يتغيرون عند أجازاتهم بزملاء آخرين فعند الإغارات الإسرائيلية علينا كنت أأمر فرد اللاسلكي أن يتصل بالقاعدة بالغردقة وقيادة القوات البحرية ليعطيهم إشارة بأن علينا إغارات إسرائيلية والتي كانت تتوالى من وقت لآخرعلى الجزيرة وكان الرد علينا بأن لا نضرب نارًا عليهم.. فأرسلنا إشارة أننا محتاجون قوات تعزيز وأسلحة للجزيرة فأرسلوا لنا بالسيد الضابط محمد علي سليمان من قيادة القوات البحرية حتى يتفقد بنفسه الإغارات الإسرائيلية المتقطعة على الجزيرة فكانت الزيارة إلى جزيرة شدوان من المفترض ان تكون أسبوعين ولكن اقتصرت زيارته على أسبوع فقط لا غير بعد ما رأى أن كل ما أبلغت عنه صحيح وفعلاً حضر لي بالجزيرة قوات تعزيز من المدفعية والصاعقة البرية وأسلحة ورادار فقلت لأحد ضباط الصاعقة البرية أنه على أحد الضباط أن يتولى قيادة الجزيرة لأني مجند وهم قادة لأني كنت مسئولًا عن أفراد الجزيرة من تعيينات ومياه كنت أصرف للفرد زمزمية مياه طوال اليوم حتى لا تنفد كمية المياه التي كانت موجودة في تنكات حديد وكانت ترسل لنا المياه في جراكن برائحة السولار لكننا كنا نتلهف عليها وكانت التعيينات عبارة عن معلبات سردين ولنشون وقليل من البلوبيف وفول مدمس وعدس وكذا نوع من البقوليات المجففة والبسكوت أبو كمون حتى جاء يوم الاعتداء الحقيقي من إسرائيل علينا بالجزيرة الاعتداء كان يوم 21 يناير 1970 وشنوا هجومًا عنيفًا علينا بالطائرات واللنشات البحرية الإسرائيلية الحربية.. وبالرغم من التصدي لهم بجميع الأسلحة الموجودة بالجزيره إلا أنهم استعملوا الضرب بالفاكرز من الطائرات على الأفراد الموجودين بالجزيرة.. فكان ردي عليهم بجميع أنواع الأسلحة التي بين أيدينا على الجزيرة.. استعملت الرشاش الخفيف والجرينوف والقنابل اليدوية 36 ملم والأر بي جيه ثم شاهدت تقريبًا نصف عدد القوات المصرية على الجزيرة قد استشهد والنصف الآخر قد نودي عليهم بمكبرات الصوت من العدو أن يستسلموا.. كانوا ينادون على أسماء الموجودين بالجزيرة من ضمنهم الحاج طوبار مأمور الفنار.. سلم نفسك *حاج طوبار سلم نفسك *ضابط محمد حلمي.. سلم نفسك إبراهيم مطراش.. سلم
فتحكمت على طلقة في سلاحي الآلي الشخصي حتى لو وقعت أسيرًا سوف أطلق الرصاصة على نفسي حتى لا يتمكنوا من أسري وبعدما نفدت الذخيرة التي لدي اختبأت أنا والبطل الضابط محمد حلمي في أعلى الفنار فنزلنا من الفنار بعد مغادرة الطائرة الإسرائيلية المكان فجاءت طائرة أخرى ونزل بعض الإسرائيليين وفكوا الرادار وحملوه في الطائرة وقامت طائرات أخرى بضرب الفنار وكسر الكرستال الذي يضيئ للسفن ليعلموا أن هنا جزيرة وعندما أقلعت الطائرة ونزلت أنا والضابط محمد حلمي إلى جانب تانك المياه.. فقال لي الضابط محمد حلمي البطل: فيه طائرة نازلة.. كوَّر نفسك خلف تانك المياه المقلوب وهو أيضًا كور نفسه بجواري ولم يرانا أحد في الجزيرة فقبل أن تهبط طائرة العدو الإسرائيلي قال لي: أول ما تهبط الطائرة ازحف على بطنك وثبت رجلك على أول السلم عند نزوله وخد استعدادك للقتال بالسلاح الأبيض (وهو السنكي الموجود بالبندقية سلاحي الشخصي وأول ما فرد العدو يحاول ينزل جيبوا بالسنكي قبل ما هو يجيبك فغز السنكي وهاته من كرشه وأنا بدبشك رشاش بورسعيد هساعدك وإوعى يفلت عدو من الطائرة.. وقمت بعملي بكل همة وكان الدم يندفع من أجساد الجنود الإسرائيليين ويغمر وجهي وملابسي حتى أصبحت أشبه بجزار بالسلخانة.. ومن يحاول أن يفلت مني كان الضابط محمد حلمي يجهز عليه وفي أثناء قتل آخر جندي إسرائيلي في الطائرة فوجئت أن شعرت بألم شديد في العمود الفقري لدي وكأن أحدًا يطعنني من ظهري فقلت للضابط محمد حلمي: يا محمد في حد بيطعني في ظهري؟ قال لي: لا يوجد أحد وكانت آخر جثة إسرائيلية أقضي عليها فسقط ولم يستطع الحركة.. وعندها قلت للضابط محمد حلمي: حاول تأسر الطيار.. ولكنه طار بالطائرة.. ورجع محمد حلمي وقال لي: ادخل داخل تانك المياه، أنا عايزك تعيش عشان تحكي قصتنا للناس وللعالم كله خد شوية رملة أو تراب من الجزيرة واحكِ حكايتنا في الجزيرة لكل الناس، أنا مش عايزك تموت ادخل جوه التنك.
قلت له: وأنت؟ قال لي: ادخل بسرعة فيه طائرة جايه علينا.. ولو شافوك بالمنظر ده هيقطعوك حتت.. ادخل فدخلني برجليه.. وقال لي: ارفع إيدك حتى أمسك بحلق التنك.. وضرب على أكتافي بالبيادة برجله ثم انزلقت في قلب التانك.. وقلت له احدف لي سلاحي الشخصي الذي أحجز به الطلقة لأي ظروف عند دخولي بالتنك: وجدنا طائرة نزلت منها رتب من القيادات الإسرائيلية ووقفوا في دائرة حول الضابط محمد حلمي وانقضوا عليه بالخناجر والسناكي في قلبه وصدره وهو كان يلوح بدبشك الرشاش الفارغ من الطلقات عليهم.. شاهدت ذلك بجانب عيني من فتحة التانك الضيقة حتى حاولت قبل استشهاده أن أخرج أعمل معاه أي حاجة فأشار لي دون أن يشعروا بي بعدم الخروج من تانك المياه وسمعته يقول الله أكبر أشهد أن لا الله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فبعد أن كرر هذا القول والشهادة عدة مرات استشهد الضابط الشهيد البطل محمد حلمي ضابط الصاعقة البرية فلمحت الإسرائليين يأخذون الجثث التي أَبَدْتها أنا والضابط الشهيد البطل محمد حلمي وكان عددهم 45 إسرائيليًا غير عدد الجثث التي أبدناها أثناء المعركة وطارت الطائرة الإسرائيلية فوجدت أحد المدنيين في الفنار يعبر من أمامي وأنا في قلب تنك المياه فهو كان الأخ إبراهيم عبد الحليم فندهت عليه وكان في حالة اهتزاز عصبي قال لي أنت فين قلت له مش وقته طلعني معرفش افتكرت البطل محمد حلمي دخلني إزاي فعملت نفس الحركة بس بالمقلوب وطلعت من التنك فقال لي إبراهيم عبد الحليم ازحف على بطنك وتعالى على السقالة وسمعت كلامه وقال لي انزل في المياه نزلت وجدت خمسة أفراد منا في المياه ومن ضمنهم فرد اللاسلكي ومعه الشفرة مغلفة بأكياس نايلون ومشمع في صدره وبعد ذلك هبطت طائرة للعدو الإسرائيلي ونزل منها أفراد مفرقعات وضعوا عددًا كثيرًا من الألغام (الشراك الخداعية) ومن ضمن الألغام عملة أمريكية ملغمة وبعض أنابيب عسل نحل ومربى ملغمة وغير ملغمة لثاني يوم في الصباح وطاروا بطائرتهم وبعد ذلك حضر إلى الجزيرة معلمو الصاعقة البحرية من ضمنهم الضابط حسن هندي وأشرف هندي وأحمد مهدي بمركب مطاطي وهو الكارلفلوت وانزعج الأفراد الموجودون معي في المياه في قلب البحر وقالوا هؤلاء إسرائيليون قلت لهم هؤلاء معلميني في مدرسة الصاعقة البحرية وكان معي سلاحي الشخصي ولوحت لهم به ورأونا وأتوا أخدونا وسلمونا في مستشفى الغردقة وبعد أسبوع أتى لي ناس من جهة ما ومعهم دفتر وقالوا لي: أنت بطل وفدائي ووحش جسور فلك ميدالية ذهبية فأنت ستخرج من المستشفى وستذهب إلى مكان ثاني عشان تستريح وستتنازل عن الميدالية عشان في ناس هييجوا بدالك الجزيرة وهيشوفوا اللي أنت شفته عشان هنجيبلهم ثلاجة وبوتجاز وأكل طازة عشان يعرفوا يعيشوا بعدما تنازلت عن الميدالية خرجت من المستشفى ورحت الوحدة بالغردقة فوجئت بإنهم ودوني الجزيرة مرة أخرى وقالوا لي: لازم أنت تكون في الجزيرة لأنك عارف الأماكن التي لغمها الإسرائليون ولو أنت متلعطش الجزيرة الألغام هتنفجر في حد ميعرفش مكان الألغام ويموتوا.. فقضيت كمان سنتين في الجزيرة وبعد ذلك سأل عليه الضابط محمد علي سليمان وقال للقيادة عني: الراجل ده كفاية عليه كده في الجزيرة.. ونقلت إلى قيادة القوات البحرية وطلب مني أن أعمل في غرفة العمليات.. قال القادة أني عندي فكرة كبيرة عن التجارب الحربية وتواجدت في غرفة العمليات لأني كنت واخد فرقة إشارة وإنذار مع فرقة الصاعقة والضفادع البشرية وحضرت انتصار أكتوبر 1973 وأنا بغرفة العمليات ومطلع على مسرح عمليات القوات البحرية بالكامل.. والموجودون بغرفة عمليات الجيش صاحيين متابعين الموقف وتخرج الأوامر من عندهم لم أنس ولن أنسى ما حييت الشهيد البطل الضابط محمد حلمي ولن أنسى عم هلال الساعي بالفنار الذي فقد ساقه وأسره الاسرائيليون وعولج ولن أنسى المرحوم حسني حماد قائد مدمرة كان متمركزًا قرب جزيرة شدوان عندما شاهد الجزيرة مشتعلة ذهب بدون أوامر لضرب الطائرات المحيطة بالجزيرة فضرب صاروخ لتطفيش الطائرات وتخفيف العبء عن الجزيرة وتعرضت مدمرته لقصف جوي مكثف من طائرات العدو أدى إلى إغراقها واستشهاده مع رجاله من طاقم المدمرة وخرجت من الخدمة العسكرية 1975 بعد رحلة شاقة في حب وخدمة الوطن وأمارس هوايتي الآن كشاعر غنائي معتمد بالإذاعة المصرية ولي عدد من المعلقات والدواوين الشعرية.
كانت تلك سيرة بطل من أبطال قواتنا المسلحة الذي نفتخر به عضوًا بجميعتنا وسيرته ضمن كتاب أعده عن أبطال حرب أكتوبر المجيدة من أعضاء جمعيتنا ”أصدقاء المحارب للتنمية” ضمن أنشطة الجمعية التثقيفية.
ويحمل عضوية رقم 64
رحم الله البطل الذى فارقنا منذ 3 أعوام



