
بقلم أشرف ماهر ضلع
حين تتحول المدرسة إلى رسالة… مديرون ومعلمون يصنعون البداية بأيديهم
في ساعةٍ كان الليل قد أرخى سدوله، وخفتت فيها أصوات الشوارع، كانت أنوار إحدى المدارس لا تزال مضاءة.
لم يكن في المكان حفل، ولا اجتماع، ولا مناسبة رسمية. كانت هناك مديرة تقف بين فصول المدرسة، تتابع هنا، وتعدّل هناك، وتحمل مع العاملين همَّ التفاصيل الصغيرة؛ مقعد في غير مكانه، جدار يحتاج إلى لمسة، فصل يستعد لاستقبال وجوه جديدة، وفناء ينبغي أن يبتسم للأطفال قبل أن تطأه أقدامهم.
تأملت المشهد طويلا، وراودني سؤال بسيط: ما الذي يجعل إنسانة تواصل عملها إلى هذا الوقت المتأخر، وقد كان بإمكانها أن تكتفي بما يفرضه عليها منصبها؟
والإجابة لم تكن في دفتر حضور وانصراف، ولا في قرار إداري، ولا في تعليمات مكتوبة.
كانت الإجابة في الرسالة.
فبعض الناس يشغلون المناصب، وبعضهم يحملون مسؤوليتها. والفرق بين الاثنين كبير؛ فالأول يؤدي ما عليه، أما الثاني فيشعر أن المكان الذي اؤتمن عليه جزء من ضميره، وأن نجاحه ليس إنجازا شخصيا، وإنما أمانة في عنقه.
ومن هذا المشهد تبدأ الحكاية…
حكاية مديرين ومديرات، ومعلمين ومعلمات، لم ينتظروا أن يأتي أحد ليجهز المدرسة، بل كانوا هم أول من حضر، وآخر من غادر، يعملون بأيديهم، ويضعون لمساتهم، ويعيدون ترتيب المكان، ويجملون الفصول والأفنية، استعدادا لاستقبال عام دراسي جديد.
إنها مشاهد قد تبدو عابرة لمن يمر بها مسرعا، لكنها في الحقيقة تختصر معنى كبيرا من معاني الانتماء.
فحين يمسك المدير بيده ما يحتاج إلى إصلاح، وحين تقف المعلمة وسط فصلها ترتب وتزين وتستعد لاستقبال طلابها، فإن الأمر يتجاوز حدود الوظيفة؛ إنه إعلان صامت بأن التعليم عند هؤلاء ليس ساعات عمل تنتهي بانتهاء الدوام، بل رسالة تمتد حيث يمتد أثرها في نفوس الطلاب.
وقد بهرني، على وجه الخصوص، أن أرى مديرات يواصلن العمل إلى ساعات متأخرة من الليل، لا لأنهن مديرات فحسب، وإنما لأنهن آمنّ بأن المدرسة التي بين أيديهن تستحق أن تُقدَّم لأبنائها في أجمل صورة.
وهنا تحديدا يصبح المنصب صغيرا أمام قيمة الرسالة.
فالإدارة ليست مكتبا، والمعلم ليس مجرد حصة، والمدرسة ليست جدرانا وفصولا. إنها منظومة من الأرواح والجهود، تتكاتف حتى يصبح المكان أكثر دفئا، والبداية أكثر إشراقا، والطالب أكثر شعورا بأنه يدخل إلى مكان ينتظره ويهتم به.
تحية من القلب لكل من أخلص، ولكل من أعطى دون ضجيج، ولكل من أدى الرسالة لا لأنه مطالب بها فقط، بل لأنه يؤمن بها.
تحية لكل يدٍ رتبت، وكل عينٍ سهرت، وكل قلبٍ انشغل بأن تكون المدرسة أجمل مما كانت.
ففي زمن تكثر فيه الكلمات عن العمل، يبقى أجمل الكلام ذلك الذي تكتبه الأيدي على أرض الواقع.
عام دراسي جديد قد يبدأ بجرس المدرسة، لكنه في الحقيقة يبدأ قبل ذلك بكثير… يبدأ من قلبٍ آمن بالرسالة، ويدٍ لم تتردد في أن تعمل من أجلها.



