
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
لم يعد السؤال في زمننا: هل أخطأنا؟
بل أصبح السؤال الأخطر: كيف سنبرر أخطاءنا؟
فقد كان الإنسان قديمًا حين يخطئ يشعر بوخزة في داخله، ويبحث عن طريق العودة والاعتذار والإصلاح. أما اليوم، فقد أصبح بعضنا يمتلك قدرة مذهلة على تحويل الخطأ إلى وجهة نظر، والأنانية إلى حق، والقسوة إلى صراحة، والخيانة إلى «ظروف»، والتقصير إلى «ضغوط»، بل وربما يجعل من نفسه ضحيةً وهو الذي تسبب في الألم للآخرين.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ماذا حدث للضمير؟
أولًا:حين أصبح التبرير أقوى من الاعتراف:
الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة، لأن الإنسان يضطر فيه إلى مواجهة نفسه بلا أقنعة. أما التبرير فهو الطريق الأسهل؛ إذ يسمح للإنسان أن يخرج من الموقف محتفظًا بصورة جميلة عن ذاته.
نقول: «لم أقصد»، «الجميع يفعل ذلك»، «هو يستحق»، «الظروف أجبرتني»، «لو كان يفهمني لما فعلت»، حتى يتحول الخطأ من مسؤولية شخصية إلى مؤامرة صنعتها الظروف والآخرون.
ومع كثرة التبرير، يتغير شيء عميق في النفس: يضعف صوت الضمير تدريجيًا.
فالضمير لا يموت فجأة؛ إنما يذبل كلما أخطأنا ثم أقنعنا أنفسنا أن الخطأ ليس خطأ.
ثانيًا:أخطر ما في الخطأ أن نعتاد عليه:
الإنسان لا يبدأ فاسدًا بالضرورة، لكنه قد يبدأ بخطأ صغير، ثم يبرره، ثم يكرره، ثم يعتاد عليه، ثم يدافع عنه، ثم يغضب ممن ينصحه به.
وهكذا ينتقل الخطأ من فعلٍ نفعله إلى سلوكٍ نعتاده، ثم إلى جزء من شخصيتنا.
وهنا تكمن المأساة؛ لأن الإنسان حين يفقد حساسيته تجاه الخطأ لا يعود بحاجة إلى من يجبره على الاستمرار فيه، بل يصبح هو المدافع الأول عنه.
وقد قال الله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، [القيامة: 14-15].
فقد يستطيع الإنسان أن يقنع الآخرين، لكنه في أعماقه يعرف الحقيقة.
ثالثًا: مجتمع يبرر الأخطاء يصنع أزمة أخلاق:
حين يصبح التبرير ثقافة عامة، لا يعود الأمر مشكلة فرد، بل يتحول إلى أزمة مجتمع.
نبرر للموظف تقصيره لأنه «متعب»، وللمسؤول ظلمه لأنه «يحمل مسؤوليات كبيرة»، وللوالد قسوته لأنه «يريد مصلحة أبنائه»، وللصديق خيانته لأنه «مر بظروف»، وللإنسان أنانيته لأنه «يحافظ على نفسه».
وبذلك تصبح القيم مرنة بحسب الأشخاص والمصالح.
المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ طبيعة بشرية، وإنما المشكلة أن يفقد الإنسان القدرة على رؤية خطئه خطأً.
إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الجهل أو الأزمات الاقتصادية، وإنما تنهار حين يصبح الخطأ بلا اعتذار، والظلم بلا إنصاف، والخيانة بلا خجل، والكذب بلا خوف.
رابعًا: بين جلد الذات ،ومحاسبة الذات:
ولا يعني إحياء الضمير أن نعيش أسرى للندم أو أن نجلد أنفسنا على كل خطأ.
الضمير الصحي لا يقول للإنسان: «أنت سيئ»، وإنما يقول له: «لقد أخطأت، ويمكنك أن تصلح.»
وهذه هي المسافة بين الندم البناء والشعور المدمر بالذنب.
فالإسلام لم يغلق باب العودة أمام المخطئ، بل فتح باب التوبة والإصلاح، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
عن أنس بن مالك رضي الله عنه “قال :قال النبي ﷺ:«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».
(رواه الترمذي،حديث حسن ).
إذن، البطولة ليست في أن تدعي أنك لا تخطئ، وإنما في أن تمتلك الشجاعة لتقول: أخطأت.
ثم: سامحني.
ثم: سأصلح ما أفسدت.
خامسًا: كيف نستعيد ضمائرنا؟
نستعيد الضمير عندما نتعلم أن نقف أمام أنفسنا كل مساء، لا لنسأل: ماذا قال الناس عني؟ بل نسأل:
هل ظلمت أحدًا اليوم؟
هل كسرت قلبًا دون حق؟
هل قصرت في مسؤولية؟
هل قلت ما لا أؤمن به؟
هل أخذت حقًا ليس لي؟
هل اعتذرت عندما أخطأت؟
وهل كنت صادقًا مع نفسي قبل أن أطلب من الآخرين أن يكونوا صادقين معي؟
إن أعظم مراجعة يمكن أن يقوم بها الإنسان ليست مراجعة حساباته البنكية، ولا عدد متابعيه، ولا مكانته الاجتماعية، وإنما مراجعة المسافة بين الإنسان الذي يظهره للناس والإنسان الذي يعرفه في داخله.
الخاتمة :
وفي النهاية…
ربما لم يمت الضمير في عالمنا، لكنه تعب من كثرة ما أسكتناه.
تعب من التبرير، ومن ازدواجية المعايير، ومن قدرتنا على رؤية أخطاء الآخرين بالمجهر، ورؤية أخطائنا بالعين المجردة.
فماذا حدث لنا؟
ربما أصبحنا بارعين في شرح أخطائنا، إلى درجة أننا نسينا كيف نعتذر عنها.
وأصبحنا نبحث عن مبرر يحمينا من الاعتراف، بدل أن نبحث عن شجاعة تصلح ما أفسدناه.
لكن الإنسان العظيم ليس من لا يخطئ، بل من لا يسمح لخطئه أن يتحول إلى أخلاق، ولا يسمح لتبريره أن يتحول إلى قناعة، ولا يسمح لصمته أن يقتل صوت الضمير في داخله.
فإذا أردت أن تعرف رقي الإنسان، فلا تنظر إلى عدد أخطائه، بل انظر إلى قدرته على الاعتراف بها، والاعتذار عنها، وإصلاح آثارها.
فما دام في القلب ضمير يؤنب، ففي الروح بقية من نور.
وما دام الإنسان يستطيع أن يقول بصدق: «كنت مخطئًا»، فما زال الطريق إلى الإصلاح مفتوحًا.



