لم يعد بعض الناس يكتفون بأن يختلفوا معك، بل صاروا يبحثون عن متعة غريبة في تشويه صورتك، واختلاق ما لم تفعله، وترديد ما لم تقله، ثم الجلوس لمراقبة أثر الكذبة وهي تنتقل من فم إلى أذن، حتى تصبح الحكاية في نهاية المطاف “حقيقة” في مجالس لا تعرف للحقيقة بابا.
إنها لذة البهتان؛ حين يتحول ظلم الناس إلى مادة للضحك، وتشويه السمعة إلى تسلية، والطعن في الغائب إلى فقرة ثابتة في مجالس القعدات.
الأخطر أن البهتان لم يعد دائما وليد خصومة كبيرة، فقد تبدأ الحكاية من غيرة عابرة، أو سوء فهم، أو كلمة مبتورة، ثم يضيف إليها أحدهم من عنده، ويبالغ آخر، ويقسم ثالث على ما لم ير، حتى تولد قصة كاملة لا أصل لها إلا ألسنة اعتادت أن تمنح الخيال صفة الحقيقة.
والغريب أن بعض هؤلاء لا يشعرون أنهم يرتكبون جريمة معنوية في حق إنسان؛ بل يتعاملون مع الأمر كأنه “حكاية للتسلية”. يضحكون على سمعة إنسان، ويتندرون على حياته، ويستمتعون بإسقاط صورته أمام الآخرين، وكأن كرامة الناس ورق مباح للتمزيق.
لكن الحقيقة أن الكلمة قد تنتهي من فم قائلها في لحظة، بينما قد تحتاج سمعة إنسان إلى سنوات كي تتعافى من أثرها.
هناك فرق كبير بين أن تنقل واقعة موثقة، وأن تصنع واقعة من خيالك.
وبين أن تنتقد فعلا، وأن تخترع لصاحبه فعلا لم يرتكبه.
وبين أن تقول رأيا، وأن تقدم الكذب على أنه حقيقة.
فالبهتان ليس قوة في الحضور، ولا شجاعة في المواجهة؛ إنه في جوهره اعتداء على غائب لا يملك لحظة إطلاق الكلمة أن يدافع عن نفسه.
والأشد خطرا أن يصبح المجتمع متسامحا مع هذه الممارسات، فيتحول صاحب اللسان المؤذي إلى “مسلي المجلس”، ويصبح الأكثر اختلاقا للأخبار هو الأكثر جذبا للانتباه، بينما يجلس العاقل صامتا لأنه يعرف أن للكلمة ثمنا، وأن بعض الأبواب إذا فُتحت بالكذب يصعب إغلاقها.
لقد أصبحت سمعة الناس عند البعض مادة مستهلكة في القعدات؛ كلمة هنا، وإشاعة هناك، وابتسامة ساخرة، ثم جملة قاتلة: “إحنا بنهزر!”
لكن ليس كل ما يضحك الناس بريئا، وليس كل ما يقال في جلسة ينتهي بانتهاء الجلسة.
فكم من إنسان تغيرت نظرة الآخرين إليه بسبب قصة كاذبة، وكم من علاقة انكسرت بسبب كلمة، وكم من مظلوم ظل يدفع ثمن رواية لم يكتب سطرا واحدا فيها.
لذلك، قبل أن تستمتع بحكاية عن شخص غائب، اسأل نفسك:
لو كان حاضرا، هل كنت ستقولها أمامه؟
إن كانت الإجابة لا، فربما المشكلة ليست في غيابه، بل في جرأتك على كرامته.
فالناس ليست مجالس للتسلية، وسمعتهم ليست أوراق لعب، وكرامتهم ليست ثمنا تدفعه المجالس بحثا عن ضحكة عابرة.
ومن اعتاد أن يتلذذ ببهتان الناس، قد ينجح في صناعة الحكايات، لكنه يفشل دائما في صناعة الاحترام.
ويبقى أرقى الناس لسانا من يعرف أن الصمت أحيانا ليس