دينمقالات

المقال رقم 1 من سِلْسِلَةُ: «مَاذَا حَدَثَ لَنَا؟» قراءةٌ فكريةٌ في الإنسانِ والمجتمعِ والحياةِ”

بعنوان "مَاذَا حَدَثَ لِلْحُبِّ حِينَ أَصْبَحْنَا نُرِيدُ الأَخْذَ أَكْثَرَ مِنَ العَطَاءِ؟".

إعداد وتقديم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

المقدمة :ـ 

كان الحبُّ يومًا مساحةً يتسع فيها القلبُ للآخر، فإذا بنا في زمنٍ ما نريد من الحب أن يكون مساحةً تتسع لنا وحدنا!
نريد أن نُحَبَّ، ولا نسأل: هل نحن نُحِب؟
نريد الاهتمام، ولا نتساءل: كم من الاهتمام منحنا؟
نريد من الآخر أن يفهم صمتنا، بينما لا نحاول أن نفهم أوجاعه.
نريد حضوره حين نحتاجه، ونغيب عنه حين يحتاجنا.
فماذا حدث للحب؟
أولًا: حين تحوّل الحب من «عطاء» إلى «استحقاق»:
المشكلة ليست في أن نبحث عن الحب؛ فهذا احتياج إنساني أصيل، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحب إلى قائمة من المطالب:
«اهتم بي، اسأل عني، افهمني، لا تتغير، لا تخذلني، كن موجودًا دائمًا…»
ثم ننسى أن الطرف الآخر لديه قلبٌ يتعب، واحتياجاتٌ تؤلمه، وأيامٌ يحتاج فيها هو أيضًا إلى من يسنده.
لقد أصبح بعضنا يدخل العلاقات وهو يسأل: «ماذا سأحصل؟» بدلًا من أن يسأل: «ماذا سأضيف؟»
وحين يصبح السؤال الأول هو الحاكم، يبدأ الحب في فقدان روحه شيئًا فشيئًا.
ثانيًا: الأنانية العاطفية… الوجه الجديد للفقر الإنساني:
ليست كل علاقة تنتهي بسبب غياب الحب؛ بعضها ينتهي بسبب أنانية الحب.
أن تريد شخصًا لك، لكنك لا تريد أن تكون له.
أن تطلب وفاءه، بينما تمنحه نصف قلبك.
أن تغضب من بروده، بينما أنت أول من علّمه البرود بالإهمال.
أن تطالبه بالصبر، وأنت لا تصبر على أخطائه.
وهنا يصبح الحب أشبه بصفقة خفية:
«أعطني ما أريد، وسأمنحك ما أراه مناسبًا.»
لكن الحب الحقيقي لا يُقاس بهذه الطريقة؛ لأنه ليس تجارةً بين طرفين، وإنما مسؤوليةٌ متبادلة، ورحمةٌ، ومشاركةٌ، وأمانٌ، وبذلٌ من القلب.
ثالثًا: التكنولوجيا قرّبت المسافات, وأبعدت القلوب:
نحن نعيش في عالمٍ لم يعد فيه الوصول إلى الآخر صعبًا؛ رسالةٌ واحدة تكفي للوصول إليه في ثوانٍ.
ومع ذلك، أصبحنا أكثر وحدة!
نملك مئات جهات الاتصال، ونفتقد شخصًا واحدًا نستطيع أن نقول له:
«أنا متعب… فابقَ بجانبي.»
كثرت الرسائل، وقلّ الإصغاء.
كثرت الصور، وقلّت الذكريات الحقيقية.
كثر الظهور، وقلّ الحضور.
أصبحنا نعرف أخبار الآخرين من شاشاتهم، ولا نعرف أخبار قلوبهم.
لقد صنعنا عالمًا يستطيع فيه الإنسان أن يتواصل مع الجميع، لكنه قد يعجز عن التواصل الحقيقي مع أقرب الناس إليه.
رابعًا: الحب لا يعيش على الأخذ وحده:
الحب مثل الشجرة؛ لا يمكن أن تطلب ثمارها دون أن تسقي جذورها.
إذا أردت اهتمامًا، فامنح اهتمامًا.
إذا أردت احترامًا، فابدأ بالاحترام.
إذا أردت حنانًا، فكن حنونًا.
إذا أردت وفاءً، فكن وفيًّا.
إذا أردت أن يسمعك الآخر، فتعلّم أن تسمعه.
وقد لخّص القرآن جوهر العلاقة الإنسانية في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فالمودة ليست شعورًا يُطلب فقط، وإنما فعلٌ يُمارس، والرحمة ليست كلمةً جميلة، وإنما سلوكٌ يظهر حين يضعف الآخر، أو يخطئ، أو يتعب.
خامسًا: الحب الناضج ليس «ماذا تعطيني؟» بل «كيف نُسعد بعضنا؟»:
الحب الناضج لا يعني أن تلغي نفسك من أجل الآخر، ولا أن تتحول العلاقة إلى تضحية من طرف واحد؛ وإنما يعني أن يفهم كل طرف أن العلاقة الناجحة تقوم على التوازن بين الأخذ والعطاء.
ليس مطلوبًا أن تعطي حتى تنكسر، ولا أن تأخذ حتى يختنق الآخر.
الحب الصحي يقول:
أنا أحتاجك، وأعرف أنك تحتاجني.
أساندك، وتساندني.
أحمي قلبك، وتحمي قلبي.
أخطئ فأعتذر، وتخطئ فنعفو.
نتعب، لكننا لا نتخلى عن بعضنا بسهولة.
وهنا يتحول الحب من مجرد عاطفة عابرة إلى مشروع إنساني لبناء حياة مشتركة.
سادسًا: ماذا نحتاج كي يعود الحب؟:
نحتاج إلى أن نعيد تعريف الحب في داخلنا.
الحب ليس كثرة الكلام، بل صدق المواقف.
ليس كثرة الهدايا، بل حضور القلب.
ليس أن تجد شخصًا كاملًا، بل أن تتعلم كيف تحب إنسانًا له نقصه وضعفه وأخطاؤه.
نحتاج أن نربي أبناءنا على أن العلاقات ليست أماكن للاستهلاك العاطفي، وأن الإنسان ليس جهازًا وظيفته أن يمنحنا السعادة طوال الوقت.
نحتاج أن نعلّمهم أن السؤال الأجمل في العلاقات ليس:
«ماذا فعل الآخر من أجلي؟»
«ماذا فعلتُ أنا كي يكون الآخر أكثر سعادة وأمانًا وطمأنينة؟»
الخاتمة :
وأخيرًا: ماذا حدث للحب؟
لم يمت الحب…
لكن تعب الحب من قلوبٍ تريد ثم لا تعطي، تطلب ولا تشكر، تتوقع ولا تقدّر، وتبحث عن شخصٍ كامل بينما لا تريد أن تكون هي الطرف الذي يصنع العلاقة الكاملة.
الحب ما زال موجودًا؛ في أمٍّ تسهر، وأبٍ يتعب، وصديقٍ يبقى حين يرحل الجميع، وزوجين يتجاوزان خلافاتهما لأنهما أدركا أن الانتصار على بعضهما ليس انتصارًا، وأن أجمل انتصار هو أن ينتصرا معًا على ما يهدد حياتهما.
ولعلنا في هذا الزمن بحاجة إلى أن نعيد للحب معناه الأول:
أن نعطي قبل أن نطالب،
وأن نفهم قبل أن نُدان،
وأن نحتوي قبل أن نلوم،
وأن نسأل عن قلوب الآخرين كما نريدهم أن يسألوا عن قلوبنا.
فالحب الذي لا يعرف إلا الأخذ يشيخ سريعًا،
أما الحب الذي يتعلم العطاء، فإنه يستطيع أن يعيش طويلًا…
لأن القلوب لا ترويها كثرةُ ما نأخذ،
وإنما يرويها جمالُ ما نعطي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى