مقالات

“همس المكاتب… كيف تتحول نصائح الزملاء إلى شرارة خلاف أو طلاق؟”

كتبت د.عبير عاطف

أحاديث العمل عن البيت… بين الفضفضة البريئة والنصائح التي تشعل الخلافات

في زوايا المكاتب، وبين أكواب القهوة وأوراق العمل، تدور أحاديث جانبية لا تنتهي. قد تبدأ بعبارة عابرة عن ضغوط الحياة أو مشادات منزلية، لكنها أحيانًا تتحول – دون قصد – إلى نصائح حاسمة تغير مسار حياة زوجية كاملة.

إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تكشف أن مصر سجلت في عام 2021 أكثر من 254 ألف حالة طلاق، بزيادة تقارب 14.7% عن العام السابق. أي أن هناك حالة طلاق تقع كل دقيقتين تقريبًا. وفي عام 2024، أصبحت الإحصاءات تتحدث عن وقوع حالة طلاق كل 117 ثانية. وبحسب خبراء علم النفس، فإن التدخلات الخارجية، سواء من الأهل أو الأصدقاء أو زملاء العمل، باتت ضمن الأسباب الخفية التي تسرع انهيار بعض الزيجات.

في بيئة العمل، حيث يقضي الموظفون ساعات طويلة معًا، تصبح الأحاديث عن الحياة الشخصية أمرًا شائعًا بين الرجال والنساء على حد سواء. البعض يشارك مشكلاته بحثًا عن النصيحة أو حتى لمجرد الفضفضة، لكن هذه الأحاديث قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا اختلطت بآراء أو “نصائح طائرة” من زملاء لا يعرفون الصورة الكاملة.

وهنا، لا نعمم القول بأن كل من مرّ بتجربة الطلاق يرغب في أن يرى الجميع مثل حاله، لكن بعض التجارب تثبت أن هذا الميل قد يظهر لدى البعض بشكل غير واعٍ، خاصة إذا كانت جراح التجربة ما زالت طازجة. الرجال كذلك قد ينقلون رؤى منحازة أو مواقف شخصية تُسقط على غيرهم، مما يفتح أبواب خلافات لم تكن موجودة.
هنا يجب أن نشير إلى مفهوم يُعرف بـ “العدوى الاجتماعية للطلاق” (social contagion of divorce)،
تشير بعض الأبحاث إلى أن سماع قصص الطلاق داخل الدائرة الاجتماعية قد يرفع من قابلية أشخاص آخرين لاتخاذ نفس القرار، خاصة إذا كانوا يعيشون في ظل توتر أو خلافات زوجية بالفعل. إذ يمكن أن يصبح الحديث عن الطلاق موضوعًا “أقل محظورًا” بعد سماعه من الآخرين، مما يسهل التفكير في خيارات لم يكن الشخص يفكر بها قبلًا. أي أن الأمر ليس بسبب “الحديث وحده”، بل لأن من يسمع الكثير عن طلاق يشكل لديه حالة عقلية من التشبّه أو التشجيع اللاواعي لاتخاذ خطوة مشابهة.

مواقف واقعية من بيئة العمل
قد تحكي زوجة لزميلاتها بفخر كيف أنها تهتم بزوجها وأولادها، فتعد لهم الطعام وتتابع دروس الأبناء وتحرص على تلبية احتياجات زوجها، لكن فجأة تجد من تقول لها بنبرة ساخرة: “أنتِ منظمة زيادة عن اللزوم… حياتك كلها جدول!”، أو أخرى تلمح بأنها “بتدلّلي زوجك أكثر من اللازم”، فتبدأ الزوجة في إعادة التفكير بسلوكياتها وكأنها ارتكبت خطأ، وقد تتمرد على زوجها أو تقلل من اهتمامها، فتبدأ الخلافات.

وفي موقف آخر، قد يشارك موظف مشكلة صغيرة مع زوجته – مثل تأخرها عن تحضير العشاء أو انشغالها بالهاتف – فيجد من يقول له: “دي بداية الإهمال… لو ما وقفتهاش عند حدها هتلاقي نفسك مهمل”، فيتعامل مع الأمر بحدة مبالغ فيها، ليتحول خلاف بسيط إلى أزمة حقيقية.

وأحيانًا، يتحدث أحدهم عن رغبة شريكه في السفر لزيارة الأهل، فيجد من يزرع الشك في نية هذا الطلب: “يمكن عايزة تبعد عنك شوية!”، فتتحول رحلة عائلية إلى مشادة وصراع حول الولاء والانتماء.

منظور علم النفس والشرع
يقول أحد الباحثين في علم النفس الاجتماعي: “العقل البشري يتأثر بالبيئة الاجتماعية أكثر مما نتصور، والمشورة التي تأتي في لحظة انفعال أو تعاطف غير مدروس قد تزرع فكرة الانفصال في ذهن شخص لم يكن يفكر فيها أصلًا.”

أما من الناحية الشرعية، فيحذر العلماء من إفشاء أسرار البيوت، فقد شبّه النبي ﷺ من يفضح ما يدور بينه وبين زوجه بمن يفعل ذلك علنًا أمام الناس، وهو مما ينافي المروءة ويهدم الثقة. ويؤكد الفقهاء أن كشف الخصوصيات إلا لضرورة استشارة أهل الحكمة أو الإصلاح أمر محرّم شرعًا، وهو من أسباب زوال المودة والرحمة التي أمر الله بها.

الصداقة والزمالة… مع حدود

الصداقة والزمالة ووقت العمل يمكن أن تكون من أجمل فرص التنفيس الانفعالي والتخفيف عن النفس، وهي مساحة لتبادل الخبرات والدعم الإنساني. لكن هذه المساحة تصبح أكثر أمانًا حين نحترس، ونجعل أحاديثنا بعيدة عمّا يدور خلف الأبواب المغلقة في بيوتنا. فهناك فرق كبير بين الفضفضة التي تريح القلب، وبين كشف أسرار قد تفتح أبوابًا للخلاف أو سوء الفهم.

ختاما : البيت مثل الحديقة، يحتاج إلى رعاية وصيانة مستمرة، ولا يجوز ترك مفاتيحه على مكتب العمل ليتداولها الآخرون. فالكلمات، وإن كانت بنية طيبة، قد تتحول إلى رياح عاتية تعصف باستقرار بيت بُني على سنوات من العشرة والمودة.

بقلم
د.عبير عاطف
المستشار الاسرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى