خلق الله الإنسان وكرمه، وجعل روحه نفحة من نوره، وأحاط جسده بسياج من الحرمة والقدسية، حتى أصبحت “النفس البشرية” هي المقصد الأسمى والضرورة التي تسبق كل الضرورات في شريعتنا الغراء. لكن، وفي لحظات الضيق، حين تغيب البصيرة وتتلاطم أمواج اليأس، قد يظن البعض أن الهروب من الحياة هو الحل، متناسين أن الله الذي استودعنا هذه الأمانة هو نفسه الذي قال: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)).
في هذا الحوار، نفتح ملفاً شائكاً يمس القلوب والبيوت؛ لنناقش قضية “الانتحار” ما بين زجر التشريع وسعة الرحمة، مع ضيفنا الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور منصور مندور، كبير الأئمة بوزارة الأوقاف.
سناء سعفان: فضيلة الدكتور، نبدأ من القاعدة الأساسية؛ لماذا جعل الإسلام “حفظ النفس” من الضروريات الخمس؟
دكتور منصور مندور: الشريعة الإسلامية تدور أحكامها حول حماية خمسة أصول هي “أمهات الأحكام”: (الدين، النفس، العقل، العرض، والمال). وقد تميز الإسلام بوضوح رؤيته؛ فهو لا يحتقر الدنيا ولا يهين الجسد، بل يربي النفس على التوازن بين مطالب الروح وحاجات الجسد. فالحفاظ على النفس من كل مكروه هو مقصد شرعي أصيل، وصيانتها أمانة لا يملك الإنسان التفريط فيها.
سناء سعفان: يتردد كثيراً أن المنتحر “كافر” ولا تجوز عليه الرحمة.. فما هو القول الفصل في ميزان أهل السنة والجماعة؟
دكتور منصور مندور: الانتحار بلا شك من أقبح الكبائر، لقوله تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً”. ومع عظم هذا الجرم، إلا أن “المنتحر” عند أهل السنة لا يخرج من الملة ما دام موحداً؛ فهو “مذنب تحت مشيئة الله”، إن شاء عفا عنه بإسلامه وتوحيده، وإن شاء عذبه بقدر جريمته ثم يخرجه من النار إلى الجنة بعد التطهير. والوعيد بالخلود جاء للزجر والتحذير من بشاعة الفعل.
سناء سعفان: هل تختلف النظرة الشرعية إذا كان الإقدام على الانتحار ناتجاً عن ضغوط نفسية أو أمراض شديدة؟
دكتور منصور مندور: الله سبحانه مطلع على السرائر ويعلم بضعف النفوس. قد يكون الإنسان تحت وطأة مرض شديد أو جراحات لا يطيق حملها، وهنا نؤكد أن الإسلام دين رحمة، ونكل أمر هؤلاء لله تعالى، فهو أعلم بما ألمّ بهم من أوجاع قد تغيب معها البصيرة في لحظة يأس.
سناء سعفان: ما هي الرسالة التي يوجهها الشرع لأهل المتوفى بهذه الطريقة؟
دكتور منصور مندور: على الأهل ألا ييأسوا من رحمة الله، والواجب هو الإكثار من الدعاء له والترحم عليه والصدقة الجارية عنه، لعل الله يلطف به. وكما علمنا النبي ﷺ بعد الدفن: “استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت”، فإن باب الإحسان لا ينغلق برحيل الجسد، وأمره في النهاية إلى الله تعالى.
سناء سعفان: ختاماً.. كيف نبني “بصيرة” تحمي شبابنا من الانكسار؟
دكتور منصور مندور: بالربط الدائم بين ذكر الله والسعي في الأرض، وأن ندرك أن مصالح الدنيا عون على العبادة وليست غاية في ذاتها. التربية الإيمانية التي تزرع اليقين بأن “بعد العسر يسراً” هي الحصن الحصين من اليأس.
وختاما إنها دعوة للتمسك بالأمانة التي استودعها الله فينا، واليقين بأن أنوار الآية قادرة دائماً على تبديد ظلمات الحكاية. نسأل الله السلامة والعافية للجميع.