تقارير

من هرمز إلى باب المندب.. هل تصبح طرق تصدير النفط السعودي ساحة لصراع النفوذ؟

 صفاء دعبس

لم تعد معركة النفوذ في الشرق الأوسط تقتصر على المواجهات العسكرية والصراعات السياسية، بل امتدت إلى السيطرة على ممرات الطاقة وخطوط نقل النفط والغاز، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية.

وبين مضيق هرمز وباب المندب، تتشكل معادلة استراتيجية جديدة تضع أمن صادرات النفط الخليجية أمام اختبارات صعبة، وتدفع المملكة العربية السعودية إلى البحث عن مسارات بديلة تضمن استمرار تدفق صادراتها بعيدًا عن مخاطر إغلاق الممرات البحرية أو توظيفها كورقة ضغط سياسي واقتصادي.

مضيق هرمز وباب المندب.. شريانان استراتيجيان في مرمى التوترات

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا، إذ تعتمد عليه نسبة كبيرة من صادرات الطاقة الخليجية، وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية في ظل التوترات المستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وفي مواجهة هذه المخاطر، تمتلك السعودية بدائل لوجستية مهمة، أبرزها خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصميمية تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا.

لكن تجاوز مخاطر هرمز لا يعني انتهاء التحديات، فمضيق باب المندب يمثل بدوره نقطة اختناق استراتيجية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. وتزيد التهديدات الأمنية المرتبطة بهجمات الحوثيين من تعقيدات الملاحة، وترفع تكاليف الشحن والتأمين، بما يجعل أمن البحر الأحمر وخطوط الإمداد المرتبطة به جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي والاقتصادي السعودي.

المسار الإسرائيلي.. هل تصبح إيلات بوابة جديدة لنفط الخليج إلى أوروبا؟

في ظل البحث عن بدائل للممرات البحرية التقليدية، يعود إلى الواجهة مشروع نقل النفط السعودي إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، ثم ضخه عبر خط الأنابيب الواصل بين إيلات وعسقلان وصولًا إلى البحر المتوسط، باعتباره أحد التصورات المطروحة لربط الخليج بالأسواق الأوروبية.

ويمثل هذا المسار، حال التوصل إلى ترتيبات لتنفيذه، فرصة لإسرائيل لتعزيز موقعها في خريطة نقل الطاقة الإقليمية، وتحقيق عوائد اقتصادية من عمليات النقل والتخزين، فضلًا عن اكتساب نفوذ استراتيجي في قطاع الطاقة.

غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات مهمة بشأن انعكاساته على استقلال القرار الاقتصادي السعودي، ومدى إمكانية تحول الأزمات التي تهدد الممرات البحرية إلى عامل يدفع باتجاه خيارات تصدير تمنح إسرائيل دورًا أكبر في حركة النفط الخليجي.

ولا يعني طرح هذا المسار وجود اتفاق سعودي إسرائيلي معلن لتنفيذه، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات الاقتصادية في المنطقة، والجهات التي قد تستفيد من إعادة توزيع طرق نقل الطاقة.

الأردن والعقبة.. حلقة جغرافية في حسابات الربط الإقليمي

يكتسب الأردن أهمية خاصة في الحسابات الجغرافية واللوجستية لأي تصور لربط منطقة الخليج بالبحر المتوسط عبر الأراضي الإسرائيلية، نظرًا لحدوده مع السعودية وموقع ميناء العقبة القريب من إيلات، فضلًا عن علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ومعاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل.

وتضع هذه العوامل الأردن ضمن الحسابات الإقليمية المتعلقة بمستقبل مشروعات نقل الطاقة، خاصة أن أي مسار جديد يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية ولوجستية معقدة، تضمن عبور النفط وتأمين خطوط النقل. ومع ذلك، لا توجد دلالة على أن هذه المعطيات الجغرافية وحدها تعني وجود اتفاق ثلاثي معلن بشأن تنفيذ مشروع محدد.

واشنطن وتل أبيب وطهران.. صراع المصالح خلف أزمة الممرات

تتداخل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية في ملف الممرات البحرية، وإن اختلفت أهداف كل طرف وأدواته. فإيران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره إحدى أبرز أوراق النفوذ الاستراتيجي، بينما تسعى إسرائيل إلى تعزيز حضورها في ترتيبات الطاقة الإقليمية والاستفادة من أي توجه نحو مسارات بديلة تمر عبر أراضيها.

أما الولايات المتحدة، فتضع حماية الملاحة الدولية وتأمين إمدادات الطاقة ضمن مصالحها الاستراتيجية، إلى جانب الحفاظ على نفوذها وتحالفاتها في المنطقة. وفي ظل هذا التشابك، يبرز تساؤل جوهري: هل تؤدي تداعيات الصراعات الإقليمية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة بما يحقق مكاسب استراتيجية لإسرائيل على حساب الخيارات العربية المستقلة؟

وتظل الإجابة مرتبطة بمسارات التطورات السياسية والأمنية، ومدى قدرة الدول العربية على صياغة بدائل جماعية لا تجعل مواردها وخطوط تصديرها رهينة لحسابات القوى الإقليمية والدولية.

مصر والسعودية.. شراكة استراتيجية لحماية البحر الأحمر وقناة السويس

في مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية التنسيق المصري السعودي باعتباره أحد أهم ركائز حماية الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التأكيدات المصرية على دعم أمن المملكة واستعداد القاهرة لمساندتها والدفاع عن أراضيها بناءً على طلبها.

وتتجاوز أهمية هذا التعاون البعد السياسي والعسكري، لتشمل حماية المصالح الاقتصادية المشتركة، إذ يرتبط أمن السعودية بأمن البحر الأحمر، بينما تتأثر قناة السويس والاقتصاد المصري بصورة مباشرة بأي اضطرابات واسعة في حركة الملاحة والتجارة الدولية.

ومن هنا، يصبح التنسيق بين القاهرة والرياض ضرورة استراتيجية لتأمين الممرات البحرية، وتعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة، وتطوير البدائل اللوجستية، بما يحول دون فرض ترتيبات إقليمية تنتقص من استقلال القرار العربي أو تمنح أطرافًا خارجية نفوذًا غير متكافئ على موارد المنطقة.

معركة الممرات.. هل تنجح السعودية في حماية استقلال قرارها الاقتصادي؟

تكشف التطورات الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يدور حول امتلاك مصادر الطاقة وحدها، بل أصبح يرتبط أيضًا بالسيطرة على طرق نقلها والتحكم في وصولها إلى الأسواق العالمية. فامتلاك النفط والغاز لا يضمن وحده قوة اقتصادية مستدامة ما لم تكن هناك مسارات آمنة ومتعددة لتصديرهما.

وبين الضغوط الإيرانية والمخاطر الأمنية في البحر الأحمر والتحركات الإسرائيلية والحسابات الأمريكية، تواجه السعودية اختبارًا استراتيجيًا يتعلق بقدرتها على تنويع مسارات التصدير والحفاظ على حرية اتخاذ قراراتها الاقتصادية، دون الوقوع تحت تأثير ترتيبات تمنح أطرافًا أخرى نفوذًا على مواردها.

وفي النهاية، تبدو معركة الممرات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول العربية على حماية ثرواتها ومصالحها الاستراتيجية.

فالتنسيق المصري السعودي، إلى جانب تعزيز التعاون العربي في أمن البحر الأحمر وتطوير شبكات نقل الطاقة، قد يمثل حجر الأساس لبناء منظومة إقليمية أكثر استقلالًا ومرونة، تضمن أن تظل طرق تصدير النفط العربي خاضعة لقرارات الدول المالكة لموارده، لا ورقة ضغط في صراعات النفوذ الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى