الصدمات النفسية و انتهاكات الطفولة

مريم بباوي
أشار عالم النفس والطبيب جابور ماتيه إلى أن الصدمة النفسية ليست الحدث الذي تعرّض له الإنسان في حد ذاته، بل هي الأثر الذي تركه هذا الحدث داخله، وما نتج عنه من استجابات وتأثيرات نفسية. ولهذا تختلف استجابة الأشخاص للحدث نفسه من شخص إلى آخر.
فهل يعني ذلك أن هناك أملًا في التعافي من الجروح النفسية؟
يرى جابور ماتيه أنه إذا اعتبرنا الصدمة هي ما حدث لك في الماضي، فإننا نتعامل مع أمر انتهى بالفعل، ولا يمكننا العودة إلى الماضي وتغيير أحداثه.
لكن إذا فهمنا الصدمة باعتبارها الأثر الذي تركه ما حدث في داخلنا، والذي لا يزال يؤثر في مشاعرنا وسلوكياتنا وطريقة تعاملنا مع الحياة في الحاضر، فهنا تتغير الصورة تمامًا.
فما حدث في الماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكننا العمل على فهم آثاره النفسية، والتواصل مع الجروح التي تركها داخلنا، ومعالجتها، وتغيير أنماط الاستجابة والسلوك التي تشكّلت نتيجة لها. ومن هنا تبدأ رحلة التعافي.
أنواع الصدمات المرتبطة بالتربية
يمكننا النظر إلى التجارب المؤذية في الطفولة من زاويتين:
أولًا: صدمات ناتجة عن تجارب مؤذية تعرض لها الطفل مثل:
– العنف الجسدي والضرب.
– التهديد والتخويف.
– السخرية والاستهزاء.
– النقد المستمر والمقارنة بالآخرين.
– الانتهاكات والإساءات الجنسية.
– الإساءة الروحية واستغلال المعتقدات لإيذاء الطفل نفسيًا.
ثانيًا: جروح ناتجة عن احتياجات نفسية لم تُلبَّ
وهي احتياجات أساسية كان من المفترض أن يحصل عليها الطفل حتى ينمو في بيئة نفسية آمنة وسليمة، لكنه حُرم منها، مثل:
– الشعور بالأمان.
– الحب والقبول دون شروط.
– التشجيع والتقدير.
– الحماية والاحتواء.
– الدعم والمساندة.
– التوعية والتوجيه.
– الحنان والاحتضان.
– الاستماع إلى الطفل واحترام مشاعره واحتياجاته.
و ليست كل الانتهاكات واضحة أو صريحة
و ليس من الضروري أن تكون الإساءة كبيرة أو واضحة حتى تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في الطفل
فقد تكون الحماية المفرطة، في بعض صورها، وجهًا آخر للحرمان؛ لأن الطفل يحتاج إلى الحماية، لكنه يحتاج أيضًا إلى مساحة مناسبة للاستقلال والتجربة واكتساب المهارات.
العنف إيذاء، وكذلك النقد واللوم المستمران، والتحقير، والتنمر على جسد الطفل، والتهديد والتخويف ومن أشكال الإيذاء أيضًا إهمال توعية الأبناء بما يتناسب مع مراحلهم العمرية، وعدم الاستعداد للإجابة عن أسئلتهم، أو تركهم يبحثون عن إجابات لاحتياجاتهم وتساؤلاتهم من مصادر قد لا تكون آمنة.
مسؤولية الأهل في التوعية والحماية
يجب على الأهل أن يسبقوا أبناءهم بخطوات في التوعية، وأن يكونوا مستعدين للإجابة عن أسئلتهم، وفتح أبواب الحوار معهم قبل أن يضطروا إلى البحث عن إجاباتهم في أماكن أخرى.
فالطفل يحتاج إلى أسرة تمنحه الأمان الذي يجعله قادرًا على السؤال دون خوف، والتعبير عن مشاعره دون خجل، واللجوء إلى والديه دون خشية من العقاب أو السخرية أو الرفض
تذكّروا دائمًا انه ليس كل ما يترك أثرًا في الطفولة يُرى بالعين، وليس كل ما لم نتعرض له يُعدّ بالضرورة أمرًا لم يؤذنا؛ فقد تكون بعض جروحنا ناتجة عما افتقدناه، لا عما حدث لنا فقط



