مقالاتمنوعات

مصر وثبات الحكمة في عاصفة الصراعات الإقليمية

مصر بين عواصف الإقليم وثبات الدولة: حين تتكلم الحكمة ويعلو صوت التاريخ

بقلم أشرف ماهر ضلع 


في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج السياسة كما تتلاطم أمواج البحر، وتضجّ المنطقة العربية بأصوات الصراع والاصطفافات الحادة، تتعرض مصر لحملاتٍ إعلامية وسياسية لا تخلو من المغالطة أو التسرّع في الأحكام. وكأن بعض الأقلام اختارت أن تُحمّل القاهرة أوزار صراعاتٍ لم تكن صانعتها، ولا كانت يومًا من دعاة إشعالها.
لقد شهدت المنطقة في الآونة الأخيرة توترات متصاعدة بين إيران وبعض الدول العربية، بعد أن اختارت هذه الدول الاحتماء بالمظلة الغربية والاعتماد على دعم الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية. غير أن واقع السياسة الدولية أثبت – كما أثبت مرارًا عبر التاريخ – أن الحماية الخارجية لا تصنع أمنًا دائمًا، وأن الاعتماد المطلق على القوى الكبرى قد يترك الدول في لحظة الحقيقة وحيدة أمام العاصفة.
وفي خضم هذه التطورات، راحت بعض الأصوات توجه سهام النقد إلى مصر، متناسية أن القاهرة لم تكن يومًا طرفًا في هذه المعادلات المتشابكة، بل ظلت عبر تاريخها الحديث صوت العقل العربي وركيزة الاتزان في منطقة تعاني فرط التوتر.
إن مصر، منذ عقود طويلة، تبنّت نهج الدولة التي توازن بين القوة والحكمة؛ فلا هي دولة انعزالية تنكفئ على نفسها، ولا هي طرف يندفع إلى صراعات لا تخدم أمنها القومي ولا مصالح الأمة العربية. ولعل هذه السياسة المتزنة هي التي جعلت القاهرة دائمًا في موقع الدولة التي تُطفئ الحرائق لا التي تشعلها.
لقد علمتنا دروس التاريخ أن مصر حين تدخل معركة فإنها تدخلها دفاعًا عن الأمة، لا بحثًا عن مكسبٍ ضيق أو نفوذٍ عابر. ومن يقرأ صفحات التاريخ القريب يدرك أن القاهرة كانت دائمًا السند الأكبر للقضايا العربية، منذ معارك التحرر الوطني وحتى مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى.
لكن المفارقة التي تكشفها الأحداث اليوم أن بعض الدول التي وضعت أمنها في يد القوى الدولية اكتشفت – متأخرة – أن المصالح الدولية متغيرة، وأن الحلفاء في السياسة قد يتبدلون بتبدل الظروف. فالدول الكبرى تحكمها حسابات المصالح لا العواطف، والالتزامات الأمنية غالبًا ما تخضع لمعادلات القوة والربح والخسارة.
ومن هنا يتجلى الفارق بين من بنى أمنه على قوة دولته وجيشه ومؤسساته الوطنية، وبين من راهن على حمايةٍ خارجية قد تتراجع حين تتبدل الأولويات. وهذا الفارق هو ما يفسر لماذا ظلت مصر، رغم كل التحديات، دولةً متماسكة تعرف طريقها جيدًا في خريطة الصراعات الإقليمية.
إن القاهرة لم تكن يومًا جزءًا من صراع المحاور، بل ظلت حريصة على أن تكون جسرًا للحوار لا ساحةً للمعارك. ولذلك فإن الحملات التي تستهدف مصر اليوم لا تعكس قراءة دقيقة للواقع، بل تعكس أحيانًا حالة من الإحباط أو محاولة البحث عن شماعة تُعلّق عليها إخفاقات السياسات الإقليمية.
وإذا كان الصراع بين بعض الدول العربية وإيران قد دخل مرحلة من التوتر غير المسبوق، فإن الحكمة تقتضي أن يُعاد النظر في كثير من الحسابات، وأن يدرك الجميع أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الاستقواء بالخارج، بل على التعاون العربي الحقيقي وتوازن العلاقات الإقليمية.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تملك قرارها الوطني وتبني قوتها الذاتية هي وحدها القادرة على الصمود في وجه العواصف. ومصر، بتاريخها وموقعها وثقلها الحضاري، تدرك هذه الحقيقة جيدًا؛ ولذلك لم تنجرّ يومًا إلى مغامرات سياسية أو عسكرية غير محسوبة.
إن الهجوم على مصر في هذه اللحظة الدقيقة لا يخدم أحدًا، بل يزيد من تعقيد المشهد العربي الذي يحتاج اليوم إلى قدرٍ أكبر من التضامن والتفاهم. فالقاهرة ليست خصمًا لأحد، بل هي – كما كانت دائمًا – قلب العروبة النابض وركنها الذي تستند إليه حين تشتد الأزمات.
ولعل الدرس الأكبر الذي تقدمه الأحداث الجارية هو أن الأمن العربي لا يمكن أن يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل، بإرادة الشعوب وقوة الدول وتكاتف الأشقاء. أما الاتكاء على القوى الدولية وحدها فهو رهانٌ قد ينجح مؤقتًا، لكنه نادرًا ما يصمد أمام تقلبات السياسة العالمية.
وهكذا تبقى مصر، وسط الضجيج والاتهامات، دولةً تعرف موقعها وتدرك مسؤوليتها التاريخية؛ تمضي بثباتٍ نحو حماية أمنها القومي، وتدعو في الوقت ذاته إلى عقلٍ عربيٍ رشيد يدرك أن مستقبل المنطقة لا يُصنع بالخصومات، بل بالحكمة والتوازن ووحدة الصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى