
بقلم .أشرف ماهر ضلع
هناك أيامٌ تمرّ على الناس كمرور السحاب، لا تترك في الروح أثرًا، ولا في القلب رجعَ صدى، وهناك أيامٌ أخرى تأتي محمّلةً بنداءات السماء، كأنها محطاتٌ ربانية يتزوّد فيها الإنسان من نور الله قبل أن تُثقله غبار الحياة. ومن بين تلك المواسم العظيمة، تقف العشر الأوائل من ذي الحجة شامخةً كمنارةٍ إيمانية، تفتح أبواب الرحمة على مصاريعها، وتدعو القلوب إلى رحلة تطهيرٍ وتجديد.
إنها ليست مجرد عشرة أيام في التقويم الهجري، بل هي نفحاتٌ ربانية، أقسم الله بها في كتابه الكريم حين قال:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾،
وما كان لله أن يقسم إلا بعظيم.
في هذه الأيام، يصبح الزمن مختلفًا، كأن الدقائق تسبّح، والساعات تتعطّر بالذكر، والسماء تقترب من الأرض حتى يشعر المؤمن أن الدعاء فيها لا يصعد وحده، بل تحمله الملائكة بأجنحة الرجاء. إنها أيامٌ تتجاور فيها أصوات الحجيج في مكة مع همسات الداعين في البيوت، فيتوحّد العالم الإسلامي كله في مشهدٍ روحانيٍّ مهيب، عنوانه: العودة إلى الله.
العشر الأوائل من ذي الحجة ليست موسمًا للحجاج وحدهم، بل هي عيدٌ للأرواح أينما كانت. فهنا في البيوت البسيطة، وفي القرى الهادئة، وفي المدن الصاخبة، يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه قُربًا جديدًا من الله، بالصلاة، والذكر، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، وكفّ الأذى، وإحياء القلب الذي أتعبته ضوضاء الدنيا.
ولعل أعظم ما يميّز هذه الأيام أن العمل الصالح فيها يتضاعف بصورةٍ تثير دهشة القلب؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من غيرها من الأيام. وكأن الله يمنح عباده فرصةً ذهبية لتعويض ما فات، وترميم ما تصدّع، وغسل الأرواح من تعب السنين.
في هذه الأيام، يعلو التكبير كأنه موسيقى السماء:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”.
تكبيرٌ يوقظ القلوب النائمة، ويذكّر الإنسان أن فوق ضجيج الأرض عظمةً لا تزول، وأن القوة الحقيقية ليست في المال ولا النفوذ، بل في قلبٍ يعرف طريقه إلى الله.
أما يوم عرفة، فهو درّة التاج في هذه الأيام المباركة، يومٌ تتنزّل فيه الرحمات كالمطر، وتُعتق فيه الرقاب، وتُغفر فيه الذنوب، حتى يشعر المؤمن أن أبواب السماء قد فُتحت كلها دفعةً واحدة. يومٌ يقف فيه الحجيج على صعيد عرفات بثيابٍ بيضاء تشبه الأكفان، في مشهدٍ يذكّر البشرية بحقيقتها الأولى: أن الناس جميعًا سواسية أمام الله، لا فرق بينهم إلا بالتقوى.
ثم يأتي عيد الأضحى، لا باعتباره طقسًا اجتماعيًا فحسب، بل بوصفه درسًا خالدًا في الطاعة والتضحية والإيمان. إنه العيد الذي يحمل في ذاكرته قصة إبراهيم عليه السلام، حين انتصر اليقين على العاطفة، والطاعة على التردد، فصار نموذجًا خالدًا لمعنى التسليم لله.
وإذا كانت الحياة الحديثة قد سرقت من الناس كثيرًا من صفائهم الروحي، فإن العشر الأوائل من ذي الحجة تأتي كنافذة نورٍ في جدار الأيام الثقيلة، تذكّر الإنسان أنه ليس آلةً تركض خلف لقمة العيش فقط، بل روحٌ تحتاج إلى السكينة كما يحتاج الجسد إلى الماء.
إن الأمة الإسلامية اليوم، وسط ما يحيط بها من صراعاتٍ واضطراباتٍ وضجيجٍ ماديّ، أحوج ما تكون إلى استعادة المعنى الحقيقي لهذه المواسم الإيمانية؛ فالأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة وحدها، بل تُبنى أيضًا بقلوبٍ حيّة تعرف الله، وتحمل الرحمة، وتؤمن بالخير.
العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد أيامٍ تُعدّ وتنتهي، بل رسالةٌ ربانية تقول للإنسان:
ما زال الباب مفتوحًا… وما زالت الرحمة ممكنة… وما زال في العمر متّسعٌ للعودة.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه القسوة، وتبهت فيه القيم، تبقى هذه الأيام المباركة أشبه بحديقةٍ سماوية تهبط وسط صحراء العالم، فتمنح الأرواح المتعبة شيئًا من الماء والنور والسلام.



