قصة قصيرة: «حَقَّقَهُ فُلان»

بقلم : محمد أبو زيد التجاني
اتبعتُ الحديث الصحيح في نصّه، وتأخذه كل فئة على ما تهوى: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». أفهمني أصحاب الغُترة البيضاء أنهم المقصودون لا محالة، وفي يومٍ يشكو كلٌّ منهما الآخر ضيق رزقه، وقلّة الغنائم والسبايا. لا تتعجبوا، هي بالفعل كانت لغتهم؛ فهم يرفضون الواقع، ويعيشون زمنًا هم مَن سيعيدونه يومًا ما. ضيق المعيشة والمال سرعان ما أيقظهما من نوقصة قصيرة: «حَقَّقَهُ فُلان»بتهما تلك، فسأل أحدهما الآخر عن مصلحة «شغل»:
– بقولك يا مولانا، أومال أنت الحياة مزهزهة معاك الأيام دي؟ أما تشوفلنا كتابين لمشايخنا نحقّقهم؟
– تعالى يا خويا، معايا أربعة كتب، ما حقّقتش غير ١٢٠ حديث، ورزقنا على الله.
– طب هنعمل إيه؟
– يا عم بسيطة، أنت عندك مراجع، ولو ملقتش، نزّلها من «النت».
– مولانا محتاج طلبة علم عشان مش فاضي، ومحتاجين مُعدّين برامج يا سيدي، هااا..!
مولاهم ذاك كان يوزّع الأحاديث على طلبة المعاهد الشرعية الخاصة ببعض الجمعيات الدينية، ثم يحقّقونها، ويُكتب اسمه، ونقرأ نحن: «حقّقه العلّامة فلان».
هذه الكتب وأدت حيوات، وصرفت عقولًا نحو غياهب الجهل ونمط تفكير عبثي لا مأوى له سوى العنف وتهشيم الفكر. وتمذهبٌ أضرم النار في هشيم ثقافتنا وهويتنا، نحو العنف الخامد تحت الرماد، لا ينتظر سوى رياح تأتي في خطبة فتحرق الأخضر واليابس.
ذات مرة، وأنا مارٌّ بإحدى المكتبات، رأيت هذا الحديث ملصقًا على العربات والأبواب والمتاجر، فيما معناه: «سيأتي يوم وتعمّ الرسالة كل شبر وكل مكان تدخله الشمس».
فكان التفسير: أن قنوات الشيخ فلان، المحقّق العلّامة، بدخولها كل بيوت الناس، المؤمن منهم والكافر، حقّقت انتشار الحديث عن طريق القنوات والملصقات تلك، فدخل الدين بذلك كل المنازل.
ثم أغلقت الكتاب، ومكتوب عليه: «حقّقه العلّامة فلان»، فضحكت وتذكّرت اللعبة التي بدأت بطلبة في السنة الأولى لا يجدون عملًا، وشيخ مشغول بزيجاته الأربعة، وصاحب قناة مشغول بالإعلانات، وشيخ مسجد يُلقي خُطبًا صارمة، ربما يراه أحد فيأخذه في دروس أسبوعية تأتي برزق جديد ودخل وفير لسداد أقساط عربته، التي سخّر الله له الكافرين من أجلها، حتى بائع الكتاب الذي أقف أمامه الآن.
يشير البائع:
– أخي، الكتاب حقّقه العلّامة فلان.
وكأنه يعرض شقة ويقول: «تشطيب المقاول فلان».



