دين

فضل يوم عرفة

بقلم / حسن محمود الشريف
يوم عرفة من أعظم أيام الله تعالى، تغفر فيه الزلات، وتجاب فيه الدعوات، وتتنزل فيه الرحمات، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة على عباده المؤمنين، وجعله مقدمة ليوم النحر، ففيه يقف الحجاج على صعيد عرفات متضرعين إلى ربهم، راجين رحمته ومغفرته، وهو أعظم مجامع الدنيا وأشرفها.
وفي هذا اليوم المبارك تهب نسائم الخير والبركات، وتتجلى نفحات العفو والمغفرة، وتتنزل الرحمات على العباد، فإذا اجتمع ذلك مع دعوة الصائم التي لا تُرد كان أدعى للاجتهاد في الدعاء والذكر والتضرع إلى الله رب العالمين.
ومن أعظم فضائل يوم عرفة أن صيامه لغير الحاج يكفر ذنوب سنتين؛ سنة ماضية وسنة مقبلة، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفِّر السنة الماضية والسنة القابلة»، والمقصود بذلك تكفير صغائر الذنوب، أما الكبائر فلا بد لها من توبة نصوح. أما الحاج فلا يسن له الصيام يوم عرفة؛ لأنه يوم وقوف ودعاء وتضرع، ولئلا يضعفه الصوم عن أداء مناسك الحج.
ومن فضائله العظيمة أن الله تعالى يعتق فيه من عباده من النار أكثر من أي يوم آخر، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء» رواه مسلم.
كما أن يوم عرفة أحد الأيام العشرة المباركة من ذي الحجة التي أقسم الله بها في كتابه الكريم، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه من العمل في سائر أيام السنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر.
وفي يوم عرفة أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة على المؤمنين، فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يوم نزولها عيدًا، فقال عمر: وأي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فقال عمر رضي الله عنه: لقد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
ويعد يوم عرفة عيدًا لأهل الموقف من الحجاج، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» رواه أبو داود والترمذي.
ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه في هذا اليوم كثرة الدعاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» رواه الترمذي.
كما يباهي الله سبحانه وتعالى بأهل عرفة ملائكته، فينظر إليهم وقد جاءوا من كل فج عميق شعثًا غبرًا يرجون رحمته ويخافون عذابه، فيغفر لهم ويرحمهم ويكرم وفادتهم.
ويشرع في يوم عرفة الإكثار من الذكر والتكبير، فالتكبير المطلق يبدأ من دخول شهر ذي الحجة ويكون في جميع الأوقات، أما التكبير المقيد عقب الصلوات المفروضة فيبدأ من فجر يوم عرفة عند جمهور أهل العلم، ويستمر إلى آخر أيام التشريق.
ومن فضائل هذا اليوم أنه يوم الركن الأعظم من أركان الحج، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» رواه أصحاب السنن، فلا يتم الحج إلا بالوقوف بعرفة. ويبدأ وقت الوقوف من زوال شمس يوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر، ومن أدرك الوقوف في هذا الوقت فقد أدرك الحج.
أما سبب تسمية عرفة بهذا الاسم فقد وردت فيه أقوال متعددة عند العلماء، أشهرها أن آدم عليه السلام التقى بحواء في هذا الموضع بعد هبوطهما إلى الأرض فتعارفا فيه، وقيل لأن الناس يتعارفون فيه، وقيل لأن جبريل عليه السلام كان يعلِّم إبراهيم عليه السلام مناسك الحج ويقول له: «أعرفت؟» فيقول: «عرفت».
فيا من أدرك يوم عرفة، اغتنم ساعاته المباركة بالصيام والذكر والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن وصلة الأرحام وفعل الخيرات، فلعلها ساعات لا تتكرر، وأيام لا تعوض، والسعيد من فاز فيها برضا الله ومغفرته وعتقه من النار.
نسأل الله تعالى أن يبلغنا يوم عرفة، وأن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار، وأن يختم لنا بالحسنى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى